محمد العاقل يكتب: تطوان.. المسرح خلف الأبواب المغلقة والكفاءات خارج خشبة القرار.

هوسبريس محمد العاقل
في مدينةٍ تُعلّق المسرح على الجدران كشعارٍ سياحي، وتضع الثقافة في واجهة الصور التذكارية، يبدو أن بعض من أوكلت إليهم مهمة تدبير الشأن الثقافي قد قرروا أخيرًا أن يُحوّلوا المسرح من فضاءٍ للحوار إلى قاعةٍ للصمت المؤثث بعناية.
ففي الوقت الذي تُرفع فيه الشعارات الرنانة حول “الديمقراطية الثقافية” و”إشراك الفاعلين”، تُدار ورش المسرح والثقافة بمدينة تطوان بمنطقٍ أقرب إلى الغرف المغلقة، حيث تُصاغ القرارات بعيدًا عن أهل الاختصاص، ويُستدعى الفاعل الثقافي فقط عندما تقتضي الصورة الجماعية ذلك، أو حين تحتاج المنصات الرسمية إلى بعض “الديكور البشري” لإكمال مشهد الاحتفال.
والمثير للسخرية حقًا، أن المسرح، ذلك الفن الذي وُجد أصلًا لكشف الزيف وفضح الأقنعة، أصبح اليوم ضحيةً لأقنعة جديدة أكثر حداثة؛ أقنعة تُتقن لغة البلاغات الرسمية، لكنها ترتبك أمام سؤالٍ بسيط: أين هو الفنان في كل ما يجري؟
لقد تحوّل التدبير الثقافي، في بعض تفاصيله، إلى ما يشبه عرضًا رديئ الإخراج؛ أدواره موزعة سلفًا، ونهايته معروفة مسبقًا، أما الجمهور — أي الفاعلون الحقيقيون — فمطلوب منهم فقط التصفيق في الوقت المناسب، ثم المغادرة بهدوء دون طرح الأسئلة المزعجة.
إن الحديث عن “التدبير المغلق” لورش المسرح والثقافة ليس ترفًا لغويًا ولا مزايدة مجانية، بل توصيف دقيق لحالة أصبحت تُقصي الكفاءات، وتُهمّش الطاقات المحلية، وتُحوّل الثقافة إلى دائرة ضيقة تُدار بمنطق الولاءات أكثر مما تُدار بمنطق الرؤية والكفاءة والاستحقاق.
ويا للمفارقة…
مدينة بحجم تطوان، بتاريخها الفني والإنساني العريق، تُدار بعض ملفاتها الثقافية بعقلية “احتكار الميكروفون”، وكأن الإبداع امتيازٌ إداري، أو كأن المسرح مشروعٌ خاص يُورَّث ولا يُناقش.
إن الفاعلين المسرحيين والثقافيين لا يطالبون بمعجزات، ولا يبحثون عن بطولاتٍ موسمية، بل يطالبون فقط بأبسط قواعد الحكامة الثقافية: الشفافية، التشاور، تكافؤ الفرص، والاعتراف بأن الثقافة ليست ضيعةً مغلقة، بل شأنٌ عمومي يخص المدينة كلها.
ولعل أكثر ما يبعث على الأسى، أن بعض المسؤولين ما زالوا يعتقدون أن تهميش الفنان يُنتج الاستقرار، بينما الحقيقة أن إقصاء الكفاءات لا يصنع سوى الفراغ، وأن المدينة التي تُقصي مبدعيها تُطفئ جزءًا من ذاكرتها الجماعية كل يوم.
ورغم كل هذا، سيظل المسرحيون الحقيقيون أوفياء لرسالتهم؛ لأن المسرح، في جوهره، لا يعيش داخل المكاتب المغلقة، بل يولد من الأسئلة الحرة، ومن الشارع، ومن صوت الناس حين يرفضون الرداءة مهما ارتدت من بذلاتٍ رسمية أنيقة.



اترك تعليقاً