×

قائمة بلعوشي.. أيقونة الصحافة الرياضية النسوية التي سبقت زمنها بصوتها الوجدِي وحضورها الآسر.

قائمة بلعوشي.. أيقونة الصحافة الرياضية النسوية التي سبقت زمنها بصوتها الوجدِي وحضورها الآسر.

هوسبريس-خالد غوتي

حين يُكتب تاريخ الإعلام الرياضي المغربي، لا تمر بعض الأسماء مرور العابرين، بل تُحفر في الذاكرة كعلامات مضيئة صنعت التحول وكسرت الحواجز وأعادت رسم ملامح المهنة. ومن بين هذه الأسماء، تبرز قائمة بلعوشي باعتبارها واحدة من أبرز الوجوه الإعلامية التي لم تكتفِ بالظهور على الشاشة، بل صنعت لنفسها مدرسة خاصة في الأداء والحضور والتأثير.

قائمة بلعوشي ليست مجرد صحفية أو مذيعة رياضية عبرت من استوديوهات التلفزيون إلى ذاكرة المشاهد المغربي، بل هي قصة امرأة اختارت اقتحام مجال كان لسنوات طويلة يُنظر إليه باعتباره فضاءً ذكورياً خالصاً. كانت من أوائل النساء المغربيات اللواتي اقتحمن الصحافة الرياضية بثبات وثقة، في زمن كان الوصول إلى هذا المجال يتطلب إرادة استثنائية وشخصية قادرة على مواجهة الصور النمطية السائدة.

ولدت بمدينة وهران لعائلة مغربية، وعاشت في طفولتها واحدة من المحطات الإنسانية الصعبة حين وجدت نفسها ضمن موجة المغاربة الذين غادروا الجزائر في سبعينيات القرن الماضي، لتستقر بعد ذلك بمدينة وجدة، حيث بدأت تتشكل ملامح شخصيتها العلمية والثقافية.

لم يكن مسارها مجرد رحلة نحو الإعلام، بل كان مساراً متعدد الروافد؛ بين التاريخ والمسرح والثقافة والمعرفة. هذا التنوع منحها قدرة خاصة على مخاطبة الجمهور بلغة قريبة، وأسلوب يمتزج فيه العمق بالعفوية.

وعندما التحقت بالتلفزيون المغربي في منتصف الثمانينيات، لم تدخل المجال كوجه جديد يبحث عن مساحة للظهور، بل دخلته بروح المنافسة والتميز، لتصبح لاحقاً إحدى العلامات الأكثر حضوراً في الصحافة الرياضية الوطنية. غطت كبريات التظاهرات الدولية والألعاب الأولمبية، ورافقت الجمهور المغربي عبر سنوات طويلة بصوتها الذي تحول إلى جزء من ذاكرة أجيال كاملة.

ما ميّز قائمة بلعوشي لم يكن فقط سبقها المهني، بل تلك النبرة الوجدية الخاصة التي كانت تحملها في حديثها، وذلك الصوت السجي الهادئ الذي يصل إلى المتلقي دون تكلف أو تصنع. كانت تتحدث وكأنها تخاطب كل مشاهد على حدة، فتمنح الخبر دفئاً، وتمنح الرياضة روحاً إنسانية تتجاوز لغة الأرقام والنتائج.

وعلى امتداد السنوات، ظلت تقدم صورة مختلفة للمرأة الإعلامية؛ حضور متزن، شخصية قوية، ووجه حافظ على جاذبيته ورشاقته وأناقته. فهي تقدم مثالاً حياً على أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بطاقة الإنسان وحيويته وشغفه بما يصنعه. فالزمن بالنسبة لبعض الشخصيات لا يضيف سوى مزيد من النضج والوهج.

لهذا لم تعد قائمة بلعوشي مجرد اسم في سجل الإعلام المغربي، بل تحولت إلى أيقونة للعمل الصحفي النسوي، وخصوصاً في الصحافة الرياضية، حيث فتحت الأبواب لأجيال جديدة من الإعلاميات، وتركت خلفها مساراً يصعب اختزاله في وظيفة أو منصب، لأنه ببساطة مسار امرأة كتبت اسمها بحروف ثابتة في ذاكرة الشاشة المغربية.

اترك تعليقاً

You May Have Missed