هل تُعيد المحكمة الدستورية رسم حدود قانون العدول؟ جدل تشريعي يضع النص أمام اختبار الشرعية

بقلم/ سيداتي بيدا
لم يعد مشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول مجرد نص تنظيمي يعبر المساطر التشريعية في هدوء، بل تحول إلى ملف ساخن يجر خلفه أسئلة ثقيلة حول جودة التشريع وحدود احترام المبادئ الدستورية. فإحالة عدد من مقتضياته على المحكمة الدستورية فتحت الباب أمام مواجهة قانونية تتجاوز الإطار المهني الضيق لتصل إلى جوهر العلاقة بين النصوص القانونية وروح الدستور.
فحين تصل القوانين إلى أبواب المحكمة الدستورية، لا يتعلق الأمر عادة بخلاف عابر بين الأغلبية والمعارضة، بل يصبح السؤال أكثر عمقا: هل استطاع المشرع إنتاج نص متوازن ومنسجم، أم أن عجلة التشريع تحركت أسرع من منطق الدقة القانونية؟

الاعتراضات المثارة حول القانون وضعت تحت المجهر مجموعة من المقتضيات التي يعتبرها منتقدوه غير منسجمة مع مبادئ المساواة والإنصاف القانوني. وفي صلب هذا النقاش يبرز التساؤل بشأن الفوارق المرسومة بين بعض المهن المرتبطة بالتوثيق، وما إذا كانت هذه الفوارق تستند إلى مبررات موضوعية حقيقية أم أنها تعيد إنتاج تمييز قانوني يصعب الدفاع عنه دستوريا.
ويبدو أن الجدل لا يتوقف عند حدود الصلاحيات المهنية فقط، بل يمتد إلى الفلسفة العامة التي بُني عليها النص. ففي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتجه الإدارات إلى تقليص المساطر وتبسيط الخدمات، يطرح استمرار بعض الآليات التقليدية أسئلة حول قدرة التشريع الجديد على مواكبة الواقع المتغير. فالقوانين لا تُقاس فقط بسلامة صياغتها، بل أيضا بمدى قدرتها على التكيف مع حاجيات المجتمع وتحولات العصر.
كما أن بعض المقتضيات الأخرى أعادت إلى الواجهة نقاشا قديما يتعلق بمدى واقعية بعض الشروط والإجراءات العملية، خصوصا تلك التي يرى متابعون أنها قد تتحول من وسائل لضبط المعاملات إلى عراقيل إدارية تثقل كاهل المواطنين وتزيد تعقيد مساراتهم اليومية.

لكن أكثر ما يثير القلق في مثل هذه النصوص ليس فقط مضمونها، بل طبيعة اللغة القانونية التي تعتمدها. فحين تتسع مساحة العبارات العامة والمفاهيم غير الدقيقة، تتسع معها سلطة التأويل، ويصبح النص الواحد قابلا لقراءات متعددة، وهو ما قد ينعكس مستقبلا على استقرار المعاملات ويُدخل المتقاضين في دوامة من التفسيرات المتضاربة.
اليوم، تجد المحكمة الدستورية نفسها أمام لحظة مفصلية؛ لحظة لا ترتبط فقط بمواد قانونية معروضة للفحص، بل بصورة أوسع بجودة التشريع نفسه. فالرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على إسقاط مقتضيات أو الإبقاء عليها، وإنما على ترسيخ رسالة واضحة مفادها أن القوانين لا تكتسب قوتها من مرورها داخل المؤسسات فقط، بل من قدرتها على الصمود أمام ميزان الدستور.



اترك تعليقاً