تحت المجهر: أطباء بيطريون يدرّسون… ويُقصَون من أبسط حقوقهم

بقلم/ سيداتي بيدا
في قلب منظومة يُفترض أن تقوم على مبدإي الإنصاف وتكافؤ الفرص، تتكشف مفارقة صادمة داخل التعليم العالي البيطري بالمغرب: أساتذة باحثون يجمعون بين التكوين الأكاديمي والممارسة الطبية والبحث العلمي، لكنهم يُعاملون مهنيًا كأنهم خارج هذه المنظومة.

بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، لا يكتفي الأستاذ البيطري بإلقاء الدروس داخل المدرجات، بل يساهم في تأطير أجيال من الأطباء، ويقود أبحاثًا علمية دقيقة، ويتدخل في الخطوط الأمامية لمراقبة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان. ومع ذلك، يجد نفسه محرومًا من تعويضات تعتبر بديهية في قطاعات صحية موازية.
الخلل هنا لا يتعلق بتفصيل إداري عابر، بل يكشف عن عطب عميق في منطق تدبير الموارد البشرية. فكيف يُعقل أن تُسند لنفس الكفاءة أدوار متعددة، دون أن تُقابل باعتراف مادي ومؤسساتي يعكس حجم المسؤولية؟ ولماذا يتم استثناء هذه الفئة من تعويضات التخصص والمخاطر المهنية، رغم تشابه المهام مع أطر صحية أخرى تستفيد من هذه الحقوق؟
الأكثر إثارة أن هذا الإقصاء يستمر رغم صدور نصوص تنظيمية حديثة كان يفترض أن تعزز مبدأ المساواة. وهو ما يطرح علامات استفهام حقيقية حول مدى انسجام السياسات العمومية مع روح الدستور، وليس فقط مع حرفيته.
ورغم لجوء المعنيين إلى المساطر الرسمية، عبر مراسلات وتنسيق مع هيئاتهم المهنية، إلا أن الصمت ظل سيد الموقف. صمت يفتح الباب أمام تساؤلات محرجة: هل يتعلق الأمر بتأخر إداري، أم بغياب إرادة حقيقية لإصلاح اختلال واضح؟
النتائج بدأت تلوح في الأفق. تراجع جاذبية المسار الأكاديمي البيطري، إحباط متزايد داخل صفوف الكفاءات، ومخاوف من نزيف نحو قطاعات أكثر تقديرًا. وكل ذلك يحدث في وقت تتعاظم فيه التحديات المرتبطة بالأمن الصحي والغذائي، حيث يشكل الطبيب البيطري أحد أعمدة الوقاية والاستباق.
القضية اليوم لم تعد مطلبًا فئويًا ضيقًا، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تصحيح اختلالات بنيوية تمس صلب العدالة المهنية. فإما أن تُعاد صياغة القواعد بما يضمن المساواة بين الأدوار والحقوق، أو أن يستمر نزيف صامت يُفرغ هذا القطاع الحيوي من طاقاته.



اترك تعليقاً