×

حين يقتل الوهم: وصفات زائفة تُهدد حياة مرضى داء السكري

حين يقتل الوهم: وصفات زائفة تُهدد حياة مرضى داء السكري

بقلم / سيداتي بيدا

تُعيد واقعة الأم المصرية التي أوقفت علاج طفلها المصاب بـداء السكري طرح سؤال خطير: إلى أي حد يمكن أن يقود الوهم أصحابه نحو تهديد الحياة نفسها؟ ما حدث لم يكن مجرد خطأ في التقدير، بل نموذج صارخ لانهيار الثقة في الطب لصالح وصفات تُسوّق خارج أي رقابة علمية.

القصة بدأت حين قررت الأم استبدال العلاج الحيوي القائم على الأنسولين بنظام غذائي يُروج له الراحل ضياء العوضي، يقوم على إقصاء مكونات أساسية من الغذاء، بدعوى “تنقية” الجسد وعلاج الأمراض المستعصية. غير أن هذا الطرح، الذي يكتسي طابعاً شعبوياً جذاباً، يفتقر إلى أبسط شروط البحث العلمي، ويستند إلى فرضيات غير مثبتة، ما يجعله أقرب إلى مغامرة خطرة منه إلى بديل علاجي.

المشكلة لا تكمن فقط في انتشار هذه الوصفات، بل في قدرتها على إقناع فئات واسعة، خاصة في ظل هشاشة الوعي الصحي وغياب التأطير الكافي. فحين يُقدَّم “العلاج الطبيعي” كبديل مطلق، ويتم تصوير الأدوية على أنها “سموم” أو “مؤامرة”، يصبح المريض، أو ولي أمره، أمام خيار زائف قد يدفع ثمنه غالياً.

الأطباء كانوا واضحين في موقفهم: حرمان مريض السكري من الأنسولين ليس اجتهاداً، بل تهديد مباشر للحياة. لأن هذا العلاج لا يدخل ضمن خانة الاختيارات، بل يُعد ضرورة بيولوجية لا يمكن للجسم تعويضها. أي انقطاع عنه قد يقود بسرعة إلى مضاعفات خطيرة، قد تصل إلى الوفاة.

تدخل الجهات المختصة لإنقاذ الطفل لم يكن مجرد إجراء إداري، بل إشارة قوية إلى أن الدولة باتت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالتصدي لموجة “التطبيب العشوائي” التي تنتشر عبر وسائل التواصل، دون حسيب أو رقيب. فالأمر لم يعد يتعلق بحرية اختيار نمط عيش، بل بسلامة أفراد، خصوصاً الأطفال الذين لا يملكون قرارهم.

هذه الحادثة تكشف وجهاً آخر للأزمة: فراغ تواصلي تملؤه خطابات غير علمية، تقدم نفسها بثقة أكبر من المؤسسات الطبية. وهو ما يفرض إعادة الاعتبار للطب المبني على الأدلة، ليس فقط عبر المستشفيات، بل أيضاً عبر الإعلام والتربية الصحية.

في النهاية، لا يقف الخطر عند حدود هذه الواقعة، بل يتجاوزها إلى ظاهرة آخذة في الاتساع. بين وصفات تُباع كحلول سحرية، وحقائق علمية تُهمَّش، يبقى الرهان على وعي جماعي يُدرك أن التعامل مع المرض لا يحتمل المغامرة… لأن الخطأ هنا لا يُقاس بالندم، بل بالخسارة التي قد تكون نهائية.

اترك تعليقاً

You May Have Missed