قرار تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص: بين تصحيح متأخر واختبار صعب لعدالة الشغل.

بقلم / سيداتي بيدا
في خطوة وُصفت بكونها من أبرز مخرجات جولة أبريل من الحوار الاجتماعي، أقدمت الحكومة المغربية على إقرار تقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص من 12 ساعة إلى 8 ساعات يوميًا. قرار يبدو في ظاهره إداريًا وتنظيميًا، لكنه في عمقه يحمل دلالات أعمق تتجاوز مجرد إعادة ضبط زمن العمل، نحو إعادة طرح سؤال العدالة المهنية في سوق الشغل.
سنوات طويلة ظل فيها نظام 12 ساعة مفروضًا كأمر واقع، جعلت من فئة حراس الأمن الخاص واحدة من أكثر الفئات عرضة لاختلال واضح في التوازن بين متطلبات العمل وحقوق الإنسان المهني. فحين يصبح الاستثناء قاعدة مستقرة، يتحول الصمت عن الإصلاح إلى شكل غير مباشر من القبول بالوضع القائم، بما يحمله من إنهاك جسدي ونفسي وغياب لأبسط شروط الإنصاف.
إقرار هذا التعديل اليوم لا يمكن اعتباره “امتيازًا جديدًا”، بقدر ما هو تصحيح متأخر لوضع كان يفترض أن يُعالج منذ سنوات. غير أن هذا التصحيح، رغم أهميته، يفتح في المقابل بابًا حساسًا يتعلق بكلفته الاقتصادية، حيث تشير التقديرات إلى ارتفاع في النفقات قد يصل إلى حدود 50 بالمائة، وهو ما يضع المقاولات المشغلة أمام معادلة صعبة بين الالتزام الاجتماعي وضغط التوازنات المالية.
هذا المعطى يجعل القرار في منطقة اختبار حقيقي، ليس فقط على مستوى النوايا، بل على مستوى التنفيذ الفعلي. فالتجارب السابقة في سوق الشغل تُظهر أن بعض الفاعلين قد يلجؤون إلى حلول ملتفة، سواء عبر إعادة توزيع غير معلن لساعات العمل أو الضغط غير المباشر على الأجور، وهو ما قد يُفرغ القرار من روحه قبل أن يترسخ على أرض الواقع.
وهنا تتحدد خطورة المرحلة المقبلة: نجاح القرار لن يُقاس بصدوره، بل بقدرته على الصمود أمام محاولات الالتفاف، وتحوله إلى ممارسة يومية واضحة ومضبوطة، لا تقبل التأويل أو التحايل.
إن تقليص ساعات العمل ليس ترفًا اجتماعيًا، بل أحد أسس العمل اللائق الذي يوازن بين الإنتاجية وكرامة الإنسان، ويعيد الاعتبار لفئة ظلت لسنوات في الهامش، رغم دورها الحيوي في حماية المؤسسات والمنشآت.
لكن هذا التحول يظل رهينًا بمدى توفر إرادة رقابية حقيقية، قادرة على مواكبة التنفيذ، وردع أي تجاوز محتمل، حتى لا يتحول القرار إلى مجرد نص جميل في الجريدة الرسمية، بلا أثر ملموس في حياة المعنيين به.
في نهاية المطاف، يقف هذا القرار عند مفترق طرق واضح: إما أن يشكل بداية فعلية لتصحيح أحد أعطاب سوق الشغل، أو أن يتحول إلى فرصة أخرى ضائعة تُضاف إلى سجل طويل من الإصلاحات التي فقدت قوتها عند أول اختبار ميداني.
الجواب لن يُكتب في البلاغات… بل في الواقع اليومي لحراس الأمن الخاص.



اترك تعليقاً