×

تطوان 2026… لحظة مفصلية لإعادة هندسة الفعل الثقافي وبناء رافعة تنموية جديدة

تطوان 2026… لحظة مفصلية لإعادة هندسة الفعل الثقافي وبناء رافعة تنموية جديدة

هوسبريس_حسن برهون 

لم يعد الحديث عن الثقافة في المدن الحديثة ترفاً فكرياً أو نشاطاً موازياً، بل أضحى خياراً استراتيجياً يُقاس بمدى قدرته على التأثير في الاقتصاد والمجتمع والهوية. وفي هذا الأفق، يكتسب تتويج تطوان عاصمة متوسطية للثقافة والحوار 2026 بعداً يتجاوز الرمزية، ليطرح سؤالاً جوهرياً حول موقع الثقافة داخل المشروع التنموي لمدينة تطوان.

الرهان اليوم لم يعد تنظيم تظاهرة ثقافية ببرنامج غني فحسب، بل بناء رؤية متكاملة تجعل من الثقافة بنية تحتية غير مرئية، لكنها حاسمة في تشكيل الوعي الجماعي وإنتاج المعنى داخل المجتمع. فالثقافة، في عمقها، ليست مهرجانات عابرة، بل منظومة متشابكة من القيم والتصورات والإبداع، قادرة على إعادة صياغة علاقة الإنسان بمحيطه وبالآخر.

من الثقافة كواجهة… إلى الثقافة كمحرك

تحويل هذا الحدث إلى نقطة تحول يقتضي القطع مع النظرة التي تختزل الثقافة في بعدها الاحتفالي، والانتقال نحو تصور يجعلها أداة للتخطيط الاستراتيجي، ورافعة للاقتصاد المحلي، ومجالاً لإنتاج فرص جديدة، خصوصاً في الصناعات الإبداعية والسياحية.

وفي هذا السياق، يبرز نقاش متجدد حول ضرورة إعادة بعث الهيئة الاستشارية الثقافية لجماعة تطوان، ليس كهيكل إداري إضافي، بل كفضاء دينامي لإنتاج الأفكار وصياغة السياسات الثقافية، وقناة وصل بين المؤسسات والفاعلين في الحقل الثقافي.

هيئة جديدة برؤية مختلفة

إعادة تشكيل هذه الهيئة، إن تمت، ينبغي أن تقوم على منطق التجديد لا الاستمرارية، عبر تحويلها إلى منصة للتفكير الاستراتيجي، ومختبر لتجريب المشاريع الثقافية المرتبطة بالتنمية، مع تمكينها من هامش فعلي من الاستقلالية يسمح لها بالاقتراح والتأثير.

كما أن نجاحها يظل رهيناً باستقطاب كفاءات متنوعة، تجمع بين الخبرة الأكاديمية والتجربة الميدانية، وتعكس غنى المشهد الثقافي، من الأدب والفنون إلى التراث والصناعات الإبداعية.

الثقافة والتنمية… معادلة ممكنة

الرهان الأكبر يكمن في ربط الثقافة بالفعل التنموي بشكل ملموس، من خلال تثمين التراث اللامادي، ودعم المبادرات الإبداعية، وإدماج البعد الثقافي في السياسات العمومية، بما يتيح خلق دينامية اقتصادية حقيقية، ويوفر فرصاً جديدة للشباب.

غير أن هذا التوجه يقتضي الانتقال من الخطاب إلى الإنجاز، عبر مشاريع واضحة، قابلة للتنفيذ والتقييم، تستند إلى موارد محددة وأهداف دقيقة.

تطوان… إمكانات تنتظر التفعيل

تتوفر المدينة على رصيد حضاري وثقافي غني، يجمع بين العمق الأندلسي والتنوع المجتمعي والموقع الجغرافي المتميز، إضافة إلى طاقات بشرية مبدعة. غير أن هذه المؤهلات، رغم أهميتها، تظل في حاجة إلى رؤية مندمجة تحولها إلى قوة اقتراحية قادرة على إحداث أثر مستدام.

نحو تعاقد ثقافي جديد

المرحلة المقبلة تفرض إعادة ترتيب العلاقة بين مختلف المتدخلين، عبر تعاقد ثقافي يقوم على الثقة وتقاسم المسؤوليات، ويجمع بين الجماعة الترابية والفاعلين الثقافيين والمجتمع المدني والقطاع الخاص، في إطار شراكة حقيقية تربط الدعم بالنتائج وتُخضع المشاريع لمنطق التقييم والمحاسبة.

في المحصلة، تشكل سنة 2026 فرصة نادرة أمام تطوان لإعادة تعريف موقع الثقافة داخل مسارها التنموي، ليس باعتبارها حدثاً عابراً، بل كورش مفتوح لإعادة البناء. فالثقافة، في نهاية المطاف، ليست فقط ما يُعرض فوق المنصات، بل ما يُترجم إلى أثر دائم في حياة الناس، وما يُورَّث كقيمة للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

You May Have Missed