مالي تسحب اعترافها بالبوليساريو وتدعم الحكم الذاتي المغربي كحل وحيد وواقعي.

هوسبريس-خالد غوتي
في خطوة تحمل أكثر من دلالة، وتفتح فصلاً جديداً في معادلات المنطقة، أعلنت جمهورية مالي، من قلب العاصمة كولوبا، موقفاً سياسياً صريحاً يُعيد رسم خطوط التوازن في ملف الصحراء، ويؤكد تحوّلاً نوعياً في مواقف دول الساحل الإفريقي.
البيان الرسمي لم يكن مجرد لغة دبلوماسية تقليدية، بل جاء محمّلاً بإشارات قوية، تؤكد عمق العلاقات بين باماكو والرباط، وتصفها بالتاريخية والمتجذرة في قيم الأخوة والتضامن الفعلي، لا الشكلي. وهي إشارات تُفهم في سياق إقليمي يتسم بإعادة التموضع والتحالفات الجديدة.
لكن اللحظة الفارقة في هذا الإعلان كانت دون شك، قرار مالي سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، في خطوة وُصفت بأنها ضربة مباشرة لأطروحات الانفصال، ورسالة واضحة بأن زمن الغموض في المواقف قد ولّى.
ولم تكتف باماكو بهذا القرار، بل ذهبت أبعد من ذلك حين أعلنت، بشكل لا لبس فيه، دعمها لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدّم به المغرب، معتبرة إياه “الأساس الجاد والواقعي الوحيد” لحل النزاع. هذا التوصيف، في لغة السياسة، ليس عادياً، بل يعكس اقتناعاً متنامياً داخل عدد من العواصم الإفريقية بأن الحلول النظرية لم تعد قابلة للاستمرار، وأن الواقعية السياسية أصبحت ضرورة.
البيان المالي حمل أيضاً إشادة واضحة بالدور الذي يلعبه المغرب في دعم الاستقرار والتنمية، سواء داخل مالي أو على مستوى القارة، مع تنويه خاص برؤية الملك محمد السادس التي وُصفت بالتقدمية والإنسانية، وهو ما يعكس مستوى الثقة السياسية بين البلدين.
وفي خلفية هذا التحول، تبرز قراءة أعمق: مالي، التي تعيش تحديات أمنية معقدة، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى التحالفات المبنية على النجاعة والاستقرار، بدل الاصطفافات الإيديولوجية التي أثبتت محدوديتها.
قرار باماكو ليس معزولاً، بل يندرج ضمن دينامية متسارعة تعرفها القارة الإفريقية، حيث تتزايد الدول التي تعيد تقييم مواقفها من نزاع الصحراء، في اتجاه دعم الحلول الواقعية، وعلى رأسها مبادرة الحكم الذاتي.
بهذا الإعلان، لا تكون مالي قد غيّرت فقط موقفاً دبلوماسياً، بل تكون قد بعثت برسالة سياسية قوية مفادها أن إفريقيا اليوم تعيد كتابة أولوياتها، وأن خرائط النفوذ لم تعد تُرسم بالشعارات، بل بالمصالح والاستقرار.
إنه تحول صامت في شكله، لكنه مدوٍ في أثره… وقد لا يكون الأخير.




اترك تعليقاً