كلام في الكرة.

هوسبريس
تابع الرأي العام الرياضي، خلال المباراة التي جرت ليلة الجمعة 26 دجنبر 2025 بين المنتخب المغربي المنظم كأس إفريقيا في أرضه وميادينه (تيلعبوا في الدار، كما يقول الرݣراݣي) ونظيره المالي لمركب مولاي عبدالله برباط الأنوار، مشهداً لافتاً تمثل في المدرب وليد الركراكي وهو يرفع يده ويشير بالأخرى، مطالباً بالاحتكام إلى تقنية “الفار”، في لقطة أثارت كثيراً من الجدل. ولم يكن هذا السلوك معزولاً، إذ بادر مدرب المنتخب المنافس بدوره إلى المطالبة بضربة جزاء مماثلة، ما أعاد إلى الواجهة سؤال التعامل المبالغ فيه مع التقنية، وحدود مشروعيتها حين تتحول من أداة تحكيمية إلى وسيلة ضغط.
هذا المشهد يختزل، إلى حد بعيد، حالة من الارتباك التي باتت تطبع تدبير بعض المباريات، حيث يُخيّل للمدربين أحياناً أنهم رأوا ما لم تره لا صافرة الحكم ولا تقنية الفيديو. وهو حال يُشبه، في دلالته، ذاك الذي رأى هلال العيد، فلما أخبر المسؤولين كافؤوه، فتوهّم بعد ذلك هلالاً آخر في كبد السماء، وحين أشار إليهم نحوه أدركوا أنه لم يكن سوى وهم، وأن الحماسة قد قادته إلى الخطأ؛ فوصموه بالحمق.
إن الحماسة الزائدة، حين تتجاوز حدودها، لا تُحسب دائماً ذكاءً تكتيكياً، بل قد تُفهم على أنها عجز عن التحكم في مجريات اللقاء، خاصة عندما تتحول الإشارات والاعتراضات إلى جزء من تدبير المباراة بدل التركيز على الحلول التقنية داخل المستطيل الأخضر.
الفوز غير المقنع يظل فوزاً على مستوى النتيجة، لكنه يترك علامات استفهام على مستوى الأداء. وغالباً ما يكون ثمرة مجهودات فردية للاعبين أو ظروف مواتية، أكثر منه نتيجة رؤية تقنية متكاملة. وحتى لو تُوّج الركراكي بكأس إفريقيا، فإن النقاش سيظل قائماً حول ما إذا كان ذلك حصيلة مشروع كروي واضح، أم نتيجة تضافر عوامل لا يمكن البناء عليها مستقبلاً.
الملاحظ اليوم أن المتتبع المغربي دخل مرحلة من الترقب والشك المشروع. منتخب يزخر بالمواهب، لكنه يُدار أحياناً بخيارات تثير أكثر من سؤال: لاعبون غير جاهزين بدنيًا، خطة لعب باتت مكشوفة، وتغييرات لا تصنع الفارق، في وقت يعج فيه المغرب بمدربين أكفاء ولاعبين متميزين.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال تصريحات بعض المدربين الوطنيين. فـالزاكي، في رده المعروف حول علاقة الأستاذ بالتلميذ، ذهب إلى حد القول إن لاعبيه لو لعبوا دون مدربهم وليد الركراكي لانتصروا. كما عبّر السكتيوي، بتأكيده امتلاك “لاعبين رجال” ورفضه لفكرة منتخب أول وآخر رديف، عن رؤية واضحة لتدبير الموارد البشرية.
هذه المواقف، مهما اختلفنا حولها، تعكس نقاشاً حقيقياً حول حدود دور المدرب ومسؤولية الاختيارات التقنية. ومن هنا يبرز سؤال مشروع، سبق للكرة المغربية أن طرحته في مراحل سابقة:
ألم يحن الوقت للعودة إلى صيغة التركيبة الرباعية في الإشراف التقني؟
صيغة يكون فيها الرأي حراً والقرار ملزماً، وتُسند فيها المسؤولية إلى كفاءات وطنية أثبتت علو كعبها أداءً ونتائج، مثل وليد الركراكي، طارق السكتيوي، محمد وهبي، وحسين عموتة؛ تركيبة تقوم على التشاور لا الإقصاء، وعلى تقاسم القرار لا الارتهان لفرد واحد، وبروح وطنية خالصة، ودون تكاليف إضافية.
كرة القدم الحديثة لم تعد شأناً فردياً، بل مشروعاً جماعياً يقوم على وضوح الرؤية، وتبادل الخبرات، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وما يريده الجمهور المغربي، في نهاية المطاف، ليس فقط الفوز، بل منتخباً يُقنع، ويُطمئن، ويعكس فعلاً حجم الإمكانات الحقيقية لكرة القدم الوطنية… وعلى المدرب أن لا ينسى قيمة التواصل، واختيار الكلمات المناسبة في السياقات والأماكن المناسبة فالمغاربة ليسوا خرافا كما قال الحسن الثاني رحمه الله، وليحذر هبتهم إن زايد عليهم بأن واحد أحمق كان تيحلم… ما تحقق بكأس العالم لم يكن صنيعة المدرب، بل هو صنيعة لاعبين نجوم تم التخلي عنهم لاعتبارات مختلفة ومتباينة؛ لكن العامل المحدد في ذلك النجاح كانت الرؤية الاستراتيجية المتبصرة لعلها البلاد وهي ثورة أخرى من ثورات الملك والشعب؛ حيث تم عقب ذلك مباشرة دعوة الأمهات لإرساء منظومة القيم… وكما أنه لا يوجد لاعب نجم، فلا وجود البتة المدرب نجم، وإن المغاربة قوم تنفسون رياضة، يوجدون الأعذار للفريق وإن انهزم شريطة أن بيلي حسنا… نتمنى تدارك الهنات، فالوطن فوق الجميع، والله ولي التوفيق.
بقلم سي محمد الطنجي



اترك تعليقاً