جيا العقارية… حين يتحوّل الحلم إلى انتظارٍ طويل ومعاناةٍ صامتة.

هوسبريس_خالد غوتي
في كل مرة تطل فيها شركة جيا العقارية على الرأي العام بمقاطع دعائية براقة وصور لأوراش نشيطة، يتجدد الأمل لدى الزبناء الذين أنهكهم الانتظار، غير أن هذا الأمل سرعان ما يتبدد أمام واقع مغاير تمامًا، عنوانه الأبرز: التماطل، الغموض، وفقدان الثقة.
لقد باتت قصص التأخير في مشاريع جيا، وعلى رأسها الياسمين والقدس 2 و3 والإزدهار 2 و3، رمزًا صارخًا لاختلالاتٍ عميقة في قطاع العقار بالمغرب، حيث يظل المواطن الضحية الأولى، يدفع الثمن من ماله وصحته واستقراره الأسري، بينما تختبئ الشركات خلف الشعارات التسويقية والوعود الفضفاضة.
مشاريع معلّقة ووعود تتبخر
منذ سنوات، ينتظر مئات الزبناء تسليم شققهم بعد أن دفعوا أكثر من 80% من ثمنها، بعضهم منذ سنة 2019، دون أن يتلقوا سوى التبريرات نفسها: “الأشغال مستمرة، والتسليم قريب.”
لكن على الأرض، لا شيء يتحرك.
الزيارات الميدانية إلى مواقع المشاريع تُظهر أوراشًا شبه متوقفة، وأشغالًا بالكاد تُذكر، في وقت تواصل فيه الشركة بثّ مقاطع “تسويقية” لا تعكس سوى جزءًا صغيرًا من الحقيقة.
أليس من العبث أن تروّج شركة ما لإنجازاتها في مشروع واحد، بينما عشرات المشاريع الأخرى تئنّ تحت ركام التماطل؟
معاناة لا يراها أحد
وراء كل عقد بيع، توجد قصة إنسانية مؤلمة، زبناء خسروا مدخراتهم، وآباء يعيشون على وقع القروض والديون، وأسر تقيم منذ سنوات في بيوت الإيجار في انتظار “بيت العمر” الذي لم يأتِ بعد، بل إن بعضهم أصيب بأمراض مزمنة بسبب القلق، وآخرون غادروا الحياة قبل أن يروا شققهم المنسية.
هذه المآسي ليست مجرد تفاصيل جانبية، بل جرس إنذار أخلاقي عن غياب المساءلة وضعف حماية المستهلك العقاري في بلدٍ يُفترض أنه يسعى لتكريس العدالة والشفافية في المجال السكني.
أين الرقابة؟ وأين المحاسبة؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
كيف يُسمح لشركة أن تروّج لمشاريع جديدة، وهي لم تفِ بعد بالتزاماتها القديمة؟
وأين هي المصالح المعنية التي يفترض أن تراقب تراخيص المشاريع وتتأكد من احترام آجال التسليم وجودة التنفيذ؟
ما يجري اليوم مع جيا العقارية ليس مجرد خلل تقني أو تأخير ظرفي، بل نموذج مصغر لأزمة ثقة متفاقمة بين المواطن ومطوري العقار، تستوجب تدخلًا عاجلًا من السلطات المعنية لوضع حد للتجاوزات وإعادة الانضباط إلى هذا القطاع الحيوي.
آن الأوان للوضوح والمساءلة
لقد آن الأوان لأن تنتهي مرحلة الشعارات الدعائية، وأن يبدأ زمن الوضوح والمسؤولية.
الزبناء لا يطلبون المستحيل، بل فقط تنفيذ الوعود واحترام العقود.
إن إنقاذ سمعة القطاع العقاري لا يمر عبر التصوير الجميل، بل عبر المحاسبة الجادة، وفرض احترام حقوق المواطنين الذين دفعوا ثمن الحلم قبل أن يتحول إلى سراب.
في النهاية، لا يمكن لشركة أن تبني مستقبلها على أنقاض ثقة زبنائها، ولا يمكن لعقارٍ أن يكون استثمارًا ناجحًا إذا كان قائمًا على الدموع، والديون، والانتظار.
لقد حان الوقت ليعلو صوت الزبناء على صوت الدعاية، وليتحرك الضمير المهني قبل أن ينهار ما تبقّى من الثقة في هذا القطاع.
نداء إلى وزارة إعداد التراب الوطني والإسكان
إن ما يحدث في مشاريع شركة جيا العقارية يستدعي تدخلاً رسميًا عاجلًا من وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، لفتح تحقيق شامل وشفاف حول هذه المشاريع، ومراجعة وضعيتها القانونية والفعلية.
فحقوق المواطنين لا يمكن أن تبقى رهينة صمت إداري أو تهاون مؤسساتي.
إن تحريك المسطرة والمحاسبة هو الطريق الوحيد لإعادة الثقة بين المواطن والدولة، وبين المستهلك والمستثمر.
السكوت لم يعد مقبولًا… لأن الانتظار طال، والمعاناة بلغت حدّها.



اترك تعليقاً