شيشاوة.. الفرشة المائية تنزف والعيون تقترب من الجفاف
بقلم – خليل الكطابي
قبل نحو خمسة قرون، مرّ الحسن بن محمد الوزان، المعروف في أوروبا باسم «ليون الإفريقي»، بأرض شيشاوة، وترك في كتابه الشهير وصف إفريقيا شهادة تختصر طبيعة المنطقة في ذلك الزمن، حين كتب عن جبلها: «ونجد في هذا الجبل ينابيع كثيرة ويظل الثلج طيلة العام.» صورة لشيشاوة كما عرفها رحالة في القرن السادس عشر، حيث كانت المياه والينابيع جزءًا من ملامح المكان وحياة سكانه.
أما اليوم، وبعد قرون طويلة، تبدو الصورة مختلفة؛ فعيون أصبحت مهددة بالجفاف، وأخرى جفت، بينما تتعرض الفرشة المائية لضغط متزايد بفعل الاستغلال الفلاحي وحفر الآبار، إلى جانب مصادر أخرى للتلوث. وبين «ينابيع كثيرة» التي وصفها الوزان، وواقع الماء في شيشاوة اليوم، يطرح السؤال نفسه: ماذا حدث لثروة مائية كانت يومًا عنوانًا لهذه الأرض؟
34 مليون متر مكعب.. عجز سنوي في الفرشة
الأرقام الرسمية الخاصة بالحوض الفرعي لشيشاوة تقدم صورة مقلقة: 75 مليون متر مكعب هي متوسط المياه الخارجة من الفرشة سنويًا، مقابل 41 مليون متر مكعب فقط من التغذية، أي بعجز متوسط يبلغ 34 مليون متر مكعب سنويًا.
بمعنى آخر، تفقد الفرشة مياهًا أكثر مما تستقبل لتجديد مخزونها، وهو ما يجعل الضغط على المورد مستمرًا.
عين أباينو.. الرقم الذي يكشف حجم التراجع
ولعل عين أباينو تختصر جانبًا من قصة الماء في شيشاوة.
فوفق معطيات نشرتها جريدة «العمق» سنة 2020، كان صبيب العين في حدود 660 لترًا في الثانية سنة 2014، قبل أن يتراجع إلى أقل من 160 لترًا في الثانية، أي بانخفاض يتجاوز 75%.
لكن دراسة أكاديمية بعنوان «مياه العيون في إقليم شيشاوة في المغرب بين الوفرة والنضوب: دراسة في العوامل والنتائج»، أنجزها الباحثان أحمد بوحامد وخالد الحاضري ونشرت سنة 2023 في المجلة العربية للبحث العلمي، تقدم معطيات ميدانية لفترة مختلفة، وتكشف بدورها عن تراجع حاد في صبيب العيون.
فقد تراجع صبيب عين أباينو من 530 لترًا في الثانية سنة 2006 إلى 60 لترًا في الثانية سنة 2022، بينما تراجع صبيب عين أفضال من 199.8 إلى 30 لترًا في الثانية، في حين جفت عين رأس العين وعين الرمش وعين بودالل خلال الفترة نفسها.
وتشير الدراسة إلى أن مجموع صبيب العيون الخمس المرتبطة بوادي شيشاوة كان يبلغ حوالي 806.8 لترًا في الثانية سنة 2006، قبل أن يتراجع بشكل حاد، مع جفاف ثلاث عيون بحلول سنة 2022.
وتختلف أرقام عين أباينو باختلاف الفترة والمصدر، لكنها تلتقي في اتجاه واحد: تراجع كبير في صبيب العيون خلال السنوات الماضية.
من 6 آبار إلى حوالي 1000.. وآلاف أخرى في المزوضية ومجاط
الضغط لا يظهر في العيون وحدها.ففي جماعة السعيدات مثلا، كانت هناك سنة 2006، 6 آبار مرخصة، بينما أظهر البحث الميداني الذي أنجزه الباحثان سنة 2022 حوالي 1000 بئر، مرخصة وغير مرخصة.
ولم تكن السعيدات وحدها التي عرفت هذا الارتفاع؛ ففي المزوضية ارتفع عدد الآبار من 110 آبار سنة 2006 إلى حوالي 1200 بئر سنة 2022، بينما انتقل العدد في مجاط من 111 بئرًا إلى حوالي 1100 بئر خلال الفترة نفسها.
كما أشارت المعاينات الميدانية إلى وجود آبار في عالية عين أباينو يتجاوز عمق بعضها 250 مترًا.
ولا تقول الدراسة إن الآبار وحدها تسببت في جفاف عين أباينو، لكنها تربط تراجع العيون بمجموعة عوامل، من بينها توالي سنوات الجفاف، والضغط المتزايد على المياه الباطنية، والزيادة في حفر الآبار، وظهور الضيعات والمقاولات الفلاحية الكبرى.
وكان التشخيص الرسمي للحوض قد أشار في وقت سابق إلى أن بعض الآبار بمنطقة «المجون» أصبحت تصل إلى أعماق تتراوح بين 100 و160 مترًا، بعدما كانت المياه توجد على عمق يتراوح بين 30 و40 مترًا سنة 1996.
الفلاحة.. توسع في السقي وضغط على الماء
ولا يمكن فصل أزمة المياه عن التحولات التي عرفها النشاط الفلاحي.
فدراسة علمية منشورة سنة 2026، اعتمدت صور الأقمار الصناعية وبيانات ميدانية للفترة الممتدة تقريبًا بين 2000 و2023، أظهرت أن مجموع المساحات المسقية في منطقة الدراسة بشيشاوة تضاعف من حوالي 2,871 هكتارًا إلى 6,569 هكتارًا.
وفي المناطق الواقعة أعلى المجرى، توسعت المساحات المسقية بنحو 4,624 هكتارًا، بينما تراجعت في المناطق أسفل المجرى بنحو 926 هكتارًا، أي 33%.
وتربط الدراسة هذا التحول بتوسع الزراعة الحديثة المعتمدة على الآبار، في وقت تعتمد فيه المناطق التقليدية أسفل المجرى على العيون الطبيعية، وعلى رأسها عين أباينو.
كما سجلت تراجعًا بنحو 40% في زراعة الزيتون بالمناطق أسفل المجرى، بالتزامن مع ندرة المياه وتراجع صبيب العيون.
وهنا تظهر المفارقة: المساحات المسقية تتوسع في جهة، بينما تتراجع الزراعات التقليدية في جهة أخرى بسبب نقص الماء.
لكن المشكلة ليست في الكمية وحدها
استنزاف الفرشة ليس الجانب الوحيد المقلق، فالمياه الجوفية تواجه أيضًا تحديًا يتعلق بجودتها. فدراسة علمية حول المياه الجوفية في نظام شيشاوة–إمنتانوت وجدت تراكيز للنترات تراوحت بين 3.71 و477 ملغ/لتر، بمتوسط بلغ 152.64 ملغ/لتر، بينما اعتمدت 50 ملغ/لتر كحد مرجعي. وقد تجاوزت 76.1% من العينات هذا الحد.
وترتبط النترات، وفق الدراسة، بعوامل من بينها الاستعمال الزراعي للأسمدة، وتسرب مياه الصرف غير المعالجة، والمطارح، وخزانات الصرف الصحي. أي أن الفرشة تواجه ضغطين في الوقت نفسه: مياه تُستنزف بوتيرة أكبر من قدرتها على التجدد، ومياه يمكن أن تتأثر بما يتسرب من سطح الأرض إلى باطنها.
عشر سنوات من التشخيص.. ماذا تغير؟
التشخيص الرسمي للحوض الفرعي المنشور سنة 2016 خصص فصولًا للموارد الجوفية ونقاط الماء والاستغلال ومستويات الفرشة وجودة المياه.
وسجل أن عدد نقاط الماء المدرجة في السجل بلغ 720 نقطة، بينما شمل مسح سنة 2004 حوالي 697 نقطة، وقدّر مجموع السحب من الفرشة آنذاك بـ 34.8 مليون متر مكعب سنويًا، كان أغلبها موجهًا للري.
واليوم، تأتي المعطيات الميدانية والدراسات اللاحقة لتظهر أن الضغط لم يتوقف، سواء من خلال توسع المساحات المسقية، أو تزايد الاعتماد على الآبار، أو تراجع مياه العيون.
الماء الذي تحت الأرض ليس ملكًا لجيل واحد
في شيشاوة، تتجمع أمامنا أرقام يصعب تجاهلها: 34 مليون متر مكعب عجزًا سنويًا في الفرشة، وتراجع حاد في صبيب عدد من العيون، وارتفاع كبير في عدد الآبار وعمقها، وتوسع في المساحات المسقية، إلى جانب مؤشرات مقلقة بشأن جودة بعض المياه الجوفية.
هذه ليست أرقامًا متفرقة. إنها أجزاء من صورة واحدة: الماء في شيشاوة يتعرض لضغط على مستوى الكمية، وضغط آخر على مستوى الجودة.
وبينما كتب الوزان قبل خمسة قرون عن «ينابيع كثيرة»، أصبح السؤال اليوم أكثر إلحاحًا:
هل نحمي ما تبقى من هذه الثروة، أم نواصل استنزافها إلى أن تصبح الأرقام مجرد توثيق لماء كان موجودًا؟ لأن الماء الذي تحت الأرض لا يراه أحد، لكن عندما ينفد أو يتلوث، سيشعر به الجميع.
يتبع….
التعليقات