الخميس، 13 أغسطس 2026
الرأي

بنونة: الهجرة غير النظامية.. المعركة تبدأ من الداخل قبل تشديد الحدود

بنونة: الهجرة غير النظامية.. المعركة تبدأ من الداخل قبل تشديد الحدود

بقلم/ عادل بنونة 

الهجرة من المغرب نحو أوروبا لم تعد ظاهرة يمكن اختزالها في مراقبة الحدود أو تشديد الإجراءات الأمنية، كما لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد نتيجة تلقائية للفقر. فالهجرة ظاهرة مركبة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والمجالية والسياسية والحقوقية، وتتأثر كذلك بتحولات سوق العمل الأوروبية، وبالفوارق التنموية بين ضفتي المتوسط، وبآمال الشباب وتطلعاتهم إلى حياة أفضل.

وتؤكد المعطيات المتاحة أن العامل الاقتصادي يظل من أهم دوافع الهجرة على طرق غرب المتوسط؛ فقد أظهرت بيانات المنظمة الدولية للهجرة بشأن سنة 2025 أن الأسباب الاقتصادية كانت ضمن أبرز الدوافع المصرح بها لدى الأشخاص الذين شملتهم عملية الرصد. كما سجلت المنظمة 18,987 وصولاً غير نظامي إلى إسبانيا عبر طريق غرب المتوسط خلال سنة 2025، مقابل 484 حالة وفاة .

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نمنع الهجرة غير النظامية؟ بل: كيف نبني في المغرب شروطاً اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية تجعل الهجرة اختياراً لا اضطراراً، وتفتح في الوقت نفسه مسارات قانونية وآمنة لمن يريد الهجرة

إن هذه المقاربة تنسجم مع فلسفة دستور 2011، الذي جعل المغرب دولة ديمقراطية واجتماعية، قائمة على الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى العدالة الاجتماعية والمجالية، كما أقر مبدأ المساواة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وربط التشريع الوطني بالاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب

أولاً: من المقاربة الأمنية إلى المقاربة متعددة الأبعاد

لقد أظهر الواقع أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب، لا تستطيع بمفردها معالجة أسباب الهجرة

فالحدود يمكن تشديد مراقبتها، والشبكات الإجرامية يمكن تفكيكها، ومحاولات العبور غير النظامي يمكن إحباطها، لكن هذه الإجراءات لا تلغي الأسباب التي تدفع الإنسان إلى التفكير في الرحيل

لذلك ينبغي التمييز قانونياً وسياسياً بين ثلاثة ملفات :

1. الهجرة النظامية باعتبارها حقاً تنظمه القوانين والاتفاقيات.

2. الهجرة غير النظامية باعتبارها ظاهرة تحتاج إلى الوقاية والتنظيم، مع احترام الكرامة والحقوق الأساسية.

3. الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين باعتبارهما نشاطين إجراميين يستوجبان تفكيك الشبكات المتورطة فيهما وملاحقة المستفيدين الحقيقيين

وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول المهاجر نفسه إلى “خصم أمني”، بينما ينبغي أن يكون التركيز الأساسي على الشبكات التي تستغل هشاشة الأشخاص وتحوّل تطلعاتهم إلى سوق للربح غير المشروع.

وفي هذا السياق، تقوم الشراكة الأوروبية الحالية على الجمع بين إدارة الهجرة، ومحاربة شبكات التهريب، ودعم الفرص الاقتصادية، وتطوير مسارات الهجرة القانونية. كما أطلق الاتحاد الأوروبي والمغرب سنة 2026 برامج جديدة مرتبطة بالتنقل المهني والهجرة القانونية والتنمية الترابية. (Migration and Home Affairs

ثانياً: الدستور المغربي يضع الأساس القانوني لمقاربة جديدة.

إن معالجة الهجرة لا ينبغي أن تكون منفصلة عن الدستور المغربي.

فالفصل الأول يجعل النظام الدستوري للمملكة قائماً على فصل السلط وتوازنها وتعاونها، وعلى الديمقراطية المواطنة والتشاركية ومبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة

أما الفصل 19 فيكرس المساواة في الحقوق والحريات، بينما يكرس الدستور مجموعة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية

وتكتسب هذه المقتضيات أهمية خاصة في موضوع الهجرة، لأن معالجة أسباب الهجرة تبدأ من احترام الحقوق داخل البلد نفسه.

فحين يشعر المواطن بأن فرص التعليم والتشغيل والاستثمار والخدمات العمومية موزعة بشكل عادل، وأن الولوج إلى المؤسسات يتم على أساس الاستحقاق، وأن القانون يطبق على الجميع، فإن ذلك يساهم في بناء الثقة في المستقبل.

وبالتالي، فإن مكافحة الهجرة غير النظامية تبدأ، جزئياً، من بناء دولة القانون والعدالة الاجتماعية

وهنا يصبح مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس شعاراً دستورياً فقط، وإنما سياسة وقائية ضد الأسباب التي تغذي الإحباط الاجتماعي 

ثالثاً: محاربة الفساد جزء من سياسة الهجرة

من الخطأ النظر إلى الفساد باعتباره ملفاً إدارياً منفصلاً عن الهجرة.

فحين يجد الشاب أن الحصول على وظيفة أو مشروع أو خدمة عمومية يتأثر بالوساطة أو المحسوبية أو تضارب المصالح، فإن الإحساس بانسداد الأفق يمكن أن يتحول إلى دافع للهجرة.

ولهذا ينبغي أن تصبح محاربة الفساد جزءاً من الاستراتيجية الوطنية للحد من دوافع الهجرة، من خلال:

• تعزيز الشفافية في الصفقات والاستثمارات العمومية؛

• تقوية آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة؛

• الوقاية من تضارب المصالح؛

• رقمنة الخدمات الإدارية؛

• ضمان تكافؤ الفرص في التشغيل والاستثمار؛

• تعزيز استقلالية وفعالية القضاء؛

• حماية المبلغين عن الفساد وفق القانون؛

• تقييم السياسات العمومية على أساس النتائج وليس حجم الإنفاق فقط.

إن الدولة التي تمنح المواطن شعوراً بأن مستقبله مرتبط بكفاءته ومجهوده أكثر مما هو مرتبط بعلاقاته، تقلل أحد أهم مصادر الإحباط الاجتماعي.

رابعاً: العدالة الاجتماعية ليست سياسة اجتماعية فقط، بل سياسة للوقاية من الهجرة

لا يمكن مطالبة الشباب بالبقاء في بلدهم دون توفير شروط واقعية للبقاء.

فالتنمية التي لا تصل إلى المواطن في شكل تعليم جيد، وصحة متاحة، وسكن لائق، ونقل عمومي فعال، وفرصة عمل بأجر عادل، تبقى تنمية ناقصة الأثر الاجتماعي.

ولهذا فإن سياسة الحد من الهجرة ينبغي أن ترتبط بخطة وطنية للعدالة الاجتماعية تقوم على أربعة محاور أساسية:

1. التعليم

الاستثمار في التعليم العمومي ليس مجرد إنفاق اجتماعي، بل هو استثمار في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وينبغي أن تكون الأولوية للمناطق التي تعاني من الهدر المدرسي، وبعد المؤسسات التعليمية عن السكان، وضعف النقل المدرسي، وغياب التكوين الملائم لحاجيات سوق العمل.

1. الصحة

لا يمكن بناء الثقة في المستقبل في ظل شعور المواطن بأن المرض يمكن أن يتحول إلى كارثة مالية للأسرة.

لذلك ينبغي ربط إصلاح التغطية الصحية بتقوية العرض العمومي، خصوصاً في المناطق القروية وشبه الحضرية.

1. التشغيل

المطلوب ليس فقط خلق مناصب شغل، بل خلق عمل لائق يحترم الحقوق ويضمن أجراً يتناسب بصورة معقولة مع تكاليف المعيشة.

وهنا يمكن أن تلعب المقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات الناشئة والاقتصاد الاجتماعي والتضامني دوراً أساسياً، شريطة تسهيل التمويل والتكوين والمواكبة.

1. العدالة المجالية

إن تركيز فرص الاستثمار والخدمات والجامعات والمستشفيات والمناصب الاقتصادية في عدد محدود من المدن يؤدي إلى خلق هجرة داخلية، وقد يتحول جزء من هذه الهجرة الداخلية لاحقاً إلى هجرة دولية.

ولهذا فإن العدالة المجالية هي في جوهرها سياسة وطنية للحد من الهجرة القسرية اقتصادياً.

خامساً: الجماعات الترابية يجب أن تصبح شريكاً في السياسة الوطنية للهجرة

إن تنزيل السياسة العمومية في مجال الهجرة لا يمكن أن يبقى مركزياً.

فالمهاجر، سواء كان مغربياً عائداً أو أجنبياً مقيماً، يعيش في مجال ترابي محدد، ويتعامل مع المدرسة والمستشفى والنقل والإدارة والمرافق والخدمات المحلية.

وهنا تظهر أهمية الجهوية المتقدمة.

فالقانون التنظيمي رقم 113-14 بالجماعات يحدد إطار اختصاصات الجماعات ومجالات خدمات القرب، في حين تتيح المنظومة القانونية للجماعات الترابية إمكانات مهمة للشراكة والتعاون. (Adala)

لذلك ينبغي التفكير في خطط ترابية للهجرة والتنمية، خصوصاً في المناطق التي تعرف معدلات مرتفعة من الهجرة أو توجد فيها تجمعات مهمة للمهاجرين.

ويجب أن تتضمن هذه الخطط:

• تشخيصاً محلياً لأسباب الهجرة؛

• قاعدة بيانات ترابية؛

• برامج لتشغيل الشباب؛

• دعم المقاولات الصغيرة؛

• التكوين المهني؛

• خدمات اجتماعية للقادمين والمغادرين والعائدين؛

• برامج لإدماج المهاجرين؛

• شراكات مع المجتمع المدني؛

• آليات لتقييم النتائج.

وبذلك لا تبقى الجماعة مجرد متلقٍ للسياسات الوطنية، بل تصبح شريكاً في إنتاج الحلول.

سادساً: ماذا عن الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء؟

تمثل الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء إحدى أهم التحولات في السياسة المغربية تجاه الهجرة.

فالمغرب انتقل من التعامل مع الظاهرة من منظور أمني بالدرجة الأولى إلى تبني سياسة أكثر شمولاً ترتبط بالحقوق والإدماج.

وقد أشارت وثائق الأمم المتحدة إلى أن الاستراتيجية اعتمدت سنة 2014، وأنها تضمنت برامج في مجالات التعليم والثقافة، والشباب والترفيه، والصحة، والتشغيل، والتكوين المهني، والسكن، والمساعدة الإنسانية والاجتماعية. 

كما شهد المغرب عمليات استثنائية لتسوية وضعية عدد كبير من المهاجرين؛ وتفيد بيانات الأمم المتحدة بأن مجموع المستفيدين من عمليتي التسوية الرئيسيتين بلغ 55000 شخصوفق المعطيات التي قدمتها السلطات المغربية في إطار التقارير الأممية 

وهذه نقطة مهمة في تقييم التجربة المغربية .ولهذا فإن نجاح الاستراتيجية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين تمت تسوية وضعيتهم، وإنما بمدى قدرتها على ضمان الإدماج المستدام في التعليم والصحة والتكوين والعمل والسكن والحياة الاجتماعية.

سابعاً: نجاح الاستراتيجية يتطلب مرحلة جديدة من التنزيل

بعد أكثر من عقد على إطلاق السياسة الوطنية للهجرة واللجوء، يبدو أن التحدي لم يعد مرتبطاً فقط بوضع التصور، وإنما أصبح مرتبطاً بقدرة المؤسسات على التنزيل والتقييم والمساءلة.

وهنا تبرز الحاجة إلى:

أ ـ حكامة وطنية موحدة

ينبغي تحديد المسؤوليات بين القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، مع وجود آلية دائمة للتنسيق والتقييم.

ب ـ تمويل مستدام

لا ينبغي أن تعتمد برامج الإدماج بصورة مفرطة على التمويل الخارجي.

فالشراكة الدولية مهمة، لكن السياسة العمومية الوطنية تحتاج إلى اعتمادات واضحة ومستدامة ضمن الميزانية العامة للدولة.

ج ـ حكامة ترابية

ينبغي نقل جزء من تنفيذ البرامج إلى الجهات والجماعات، مع توفير الموارد والكفاءات اللازمة.

د ـ مؤشرات قياس

يجب نشر مؤشرات دورية حول:

• عدد المستفيدين من برامج الإدماج؛

• الولوج إلى التعليم؛

• الولوج إلى الصحة؛

• التشغيل؛

• التكوين؛

• السكن؛

• المشاريع الاقتصادية؛

• الأطفال المهاجرين المتمدرسين؛

• حالات الاستغلال والاتجار بالبشر.

وهذا يتوافق مع الاتجاه الحديث في حكامة الهجرة القائم على البيانات والأدلة، وهو اتجاه تؤكد عليه المنظمة الدولية للهجرة في أدبياتها الحديثة حول ملفات الهجرة والحكامة القائمة على المعطيات. 

ثامناً: أوروبا مطالبة أيضاً بتغيير مقاربتها

لا يمكن أن تكون مسؤولية الهجرة ملقاة بالكامل على دول الجنوب وخصوصا المغرب

فأوروبا تستفيد اقتصادياً وديموغرافياً من اليد العاملة المهاجرة، وفي الوقت نفسه تواجه تحديات شيخوخة السكان ونقص العمالة في عدد من القطاعات.

لذلك فإن السياسة الأكثر واقعية ليست إغلاق الحدود، وإنما تنظيم الحركة البشرية.

وقد أطلقت المفوضية الأوروبية شراكات للمواهب مع المغرب ودول أخرى، بهدف تعزيز التنقل الدولي للعمالة وتلبية احتياجات أسواق العمل في الجانبين. (Migration and Home Affairs)

كما أطلقت فرنسا والمغرب والاتحاد الأوروبي سنة 2026 برامج مرتبطة بالتنقل المهني الآمن والمنظم، من بينها THAMM+، وبرنامج PRIM2 ذي البعد الترابي. (EEAS)

وهذا الاتجاه ينبغي توسيعه ليشمل:

• العمل الموسمي؛

• التكوين المهني؛

• التبادل الجامعي؛

• الاعتراف بالشهادات؛

• التنقل المهني؛

• الهجرة الدائرية؛

• استقطاب الكفاءات؛

• عودة الخبرات والاستثمارات إلى المغرب.

فالطريق القانوني للهجرة يمكن أن يكون بديلاً حقيقياً عن الطريق غير النظام

تاسعاً: شراكة مغربية ـ أوروبية جديدة

المطلوب ليس أن تتحول دول جنوب المتوسط إلى حارس للحدود الأوروبية مقابل الدعم المالي.

الشراكة المتوازنة ينبغي أن تقوم على تقاسم المسؤولية وتقاسم المنافع.

ويمكن تصور عقد جديد للهجرة بين المغرب والاتحاد الأوروبي يقوم على خمسة محاور:

الأول: التنمية.

تمويل مشاريع اقتصادية طويلة الأمد في المناطق التي تعرف ضغوطاً هجرية.

الثاني: التشغيل.

فتح حصص واضحة للهجرة المهنية القانونية والمنظمة.

الثالث: التكوين.

إنشاء برامج تكوين مشتركة تستجيب لحاجيات سوق العمل الأوروبية والمغربية.

الرابع: الحقوق.

ضمان حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء واحترام الالتزامات الدولية.

الخامس: الأمن.

تعاون فعال ضد شبكات التهريب والاتجار بالبشر، مع الفصل بين مكافحة الجريمة واحترام حقوق المهاجرين.

وهذا قريب من التوجه الأوروبي المعلن الذي يربط الشراكات الخارجية في مجال الهجرة بالتنمية والفرص الاقتصادية والعمل اللائق والمسارات القانونية ومكافحة شبكات التهريب 

عاشراً: لا بد من مسارات قانونية وآمنة للهجرة

كلما ضاقت قنوات الهجرة القانونية، اتسعت جاذبية القنوات غير النظامية.

لذلك فإن توسيع المسارات القانونية ليس تنازلاً سياسياً، وإنما أداة عملية لمكافحة الهجرة غير النظامية.

وينبغي أن تشمل هذه المسارات:

1. تأشيرات العمل الموسمي.

2. برامج التكوين المهني.

3. منح جامعية وتبادل أكاديمي.

4. عقود عمل مرتبطة بحاجيات سوق العمل.

5. برامج للهجرة الدائرية.

6. الاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية.

7. مسارات خاصة بالكفاءات.

8. آليات قانونية وشفافة للمعلومات والتقديم.

والهدف هو أن يعرف الشاب أن أمامه خياراً قانونياً واضحاً، بدلاً من أن يصبح ضحية للوسطاء وشبكات التهريب.

الحادي عشر: حماية المهاجرين ليست نقيضاً للأمن

إن احترام حقوق المهاجرين لا يتعارض مع حماية الحدود.

بل إن الدولة القوية هي التي تستطيع الجمع بين الأمرين.

فمحاربة شبكات الاتجار بالبشر يجب أن تستهدف منظمّي الشبكات ومموليها ومستغليها، لا الأشخاص الذين يجدون أنفسهم في وضعية هشاشة.

كما يجب ضمان إجراءات قانونية واضحة لطالبي اللجوء، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية بالنسبة لمن تنطبق عليهم الحماية الدولية، وحماية الأطفال من الاستغلال والاتجار والعنف.

وهذه ليست مجرد اعتبارات أخلاقية؛ إنها أيضاً التزامات ناشئة عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، إلى جانب المقتضيات الدستورية المغربية المتعلقة بالحقوق والحريات.

وقد شددت هيئات أممية على ضرورة توفير موارد بشرية وتقنية ومالية كافية لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء وتعزيز حماية حقوق الإنسان

الثاني عشر: الشباب في قلب السياسة الجديدة

لا يمكن بناء سياسة فعالة للهجرة دون الاستماع إلى الشباب.

فالسياسة العمومية التي تتحدث عن الشباب دون إشراكه قد تخطئ في فهم دوافعه.

لذلك ينبغي إنشاء آليات تشاورية محلية ووطنية تضم:

• الشباب؛

• الطلبة؛

• الباحثين؛

• المقاولين؛

• المجتمع المدني؛

• الجماعات الترابية؛

• النقابات؛

• الفاعلين الاقتصاديين.

والغاية ليست فقط معرفة لماذا يريد بعض الشباب الهجرة، وإنما معرفة ما الذي يمكن أن يجعلهم يختارون البقاء؟

والجواب غالباً لا يكمن في خطاب وطني أو حملات إعلامية، بل في مدرسة جيدة، ووظيفة محترمة، وإدارة نزيهة، وعدالة فعالة، ومجال ترابي يوفر فرصاً حقيقية

الثالث عشر: مقترح لخطة وطنية جديدة

يمكن للمغرب أن ينتقل من سياسة تدبير الهجرة إلى سياسة وطنية للوقاية من دوافع الهجرة غير النظامية، تقوم على عشرة محاور:

المحور الأول: التنمية

توجيه استثمارات إضافية إلى المناطق الأكثر تصديراً للهجرة.

المحور الثاني: التشغيل

وضع برنامج وطني لتشغيل الشباب، مع إعطاء الأولوية للمناطق ذات معدلات البطالة المرتفعة.

المحور الثالث: العدالة المجالية

تقوية النقل والصحة والتعليم والتكوين والخدمات الأساسية في المناطق المهمشة.

المحور الرابع: الحكامة

ربط التمويل العمومي بالنتائج، ونشر البيانات المتعلقة بالمشاريع والبرامج.

المحور الخامس: مكافحة الفساد

تقوية أجهزة الرقابة والمحاسبة ومنع تضارب المصالح.

المحور السادس: الهجرة القانونية

التفاوض مع الاتحاد الأوروبي حول توسيع حصص العمل الموسمي والمهني والتكوين.

المحور السابع: حماية الحقوق

استكمال الإطار القانوني والمؤسساتي المتعلق بالهجرة واللجوء.

المحور الثامن: الحكامة الترابية

إحداث خطط جهوية ومحلية للهجرة والتنمية.

المحور التاسع: التعاون الدولي

ربط التعاون الأمني بالتنمية والحقوق والمسارات القانونية.

المحور العاشر: التقييم

إصدار تقرير وطني سنوي حول دوافع الهجرة، ونتائج البرامج، وتطور المسارات النظامية وغير النظامية.

لهذا نحن في أمس الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد مع الشباب

إن أعمق حل لمشكلة الهجرة لا يوجد في البحر ولا على الحدود، وإنما يوجد داخل المجتمع.

إذا كان المواطن يرى أن المدرسة تفتح أمامه أبواب المستقبل، وأن الجامعة تمنحه فرصة حقيقية، وأن العمل يكافئ الكفاءة، وأن الإدارة تعامل المواطنين على قدم المساواة، وأن القضاء يحمي الحقوق، وأن الثروة موزعة بعدالة، فإن دوافع الهجرة الاضطرارية تتراجع.

أما إذا بقيت الفوارق الاجتماعية والمجالية مرتفعة، وظل الشباب يشعر بأن الفرص محدودة أو غير عادلة، فإن الحدود مهما كانت محكمة ستظل عاجزة عن معالجة أصل المشكلة.

ولهذا ينبغي النظر إلى الحق في التنمية باعتباره إحدى أهم أدوات الوقاية من الهجرة غير النظامية

خاتمة: من منع الهجرة إلى إدارة حرية التنقل

إن المغرب لا يستطيع، ولا ينبغي له، أن يطمح إلى إلغاء الهجرة.

فالهجرة ظاهرة إنسانية قديمة، ويمكن أن تكون مصدر معرفة وتحويلات مالية واستثمار وتبادل ثقافي وتنمية كما هو الحال الآن

لكن المطلوب هو الحد من الهجرة التي تتحول إلى نتيجة لليأس الاقتصادي والاجتماعي، والهجرة التي تتم عبر شبكات التهريب، والهجرة التي تعرض حياة الإنسان للخطر.

ومن هنا، فإن السياسة المستقبلية ينبغي أن تقوم على معادلة واضحة:

تنمية في الداخل 

+ عدالة اجتماعية 

+ حكامة جيدة 

+ هجرة قانونية 

+ حماية حقوق الإنسان 

+ تعاون أوروبي متوازن

 + محاربة حقيقية لشبكات التهريب.

لقد قطع المغرب خطوة مهمة عندما انتقل، منذ 2013–2014، إلى سياسة وطنية أكثر شمولاً في مجال الهجرة واللجوء. كما أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يواصل تناول الهجرة من زاوية التنمية وسوق العمل والتحولات الديموغرافية، وقد خصص تقريره السنوي الأخير محوراً لتطورات الهجرة وآثارها على التشغيل والحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي 

لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من الاستراتيجية إلى التقييم، ومن التدبير إلى الوقاية، ومن المركزية إلى الحكامة الترابية، ومن الأمن وحده إلى التنمية والحقوق والأمن معاً.

إن نجاح المغرب في مواجهة الهجرة غير النظامية لن يقاس بعدد الأشخاص الذين تم منعهم من الوصول إلى الضفة الأخرى، وإنما بقدرته على بناء مجتمع يشعر فيه الشاب أن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه، وبقدرته في الوقت نفسه على فتح أبواب قانونية وآمنة لمن يختار أن يهاجر.

وعندها فقط يمكن الانتقال من منطق “منع الهجرة” إلى منطق أكثر نضجاً و هو دستوري: “إدارة حرية التنقل، ومعالجة أسباب الهجرة القسرية، وحماية الإنسان، وجعل التنمية أساساً للاستقرار”.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً