علي يعتة بعد 29 سنة من الرحيل.. حين لم يعد كتاب بنعبد الله يُقرأ
بقلم – خليل الكطابي
بعد 29 سنة على رحيل علي يعتة، عاد اسمه إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة من أمام قبره، حيث قام الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بنعبد الله، بزيارة ترحمية استحضر خلالها المسار النضالي والفكري والسياسي لأحد أبرز رموز اليسار المغربي، وأحد مؤسسي الحزب الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ الحياة السياسية الوطنية. وقد أعاد بنعبد الله في كلمته التذكير بالقيم التي جسدها الراحل، من الالتزام والاستقامة والنزاهة ونكران الذات، إلى الدفاع عن الديمقراطية والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مؤكداً وفاء الحزب لمدرسة علي يعتة والجيل المؤسس. غير أن هذه المناسبة، بعيداً عن بعدها الترحمي واستحضار المسار النضالي للراحل، تفتح الباب أمام سؤال سياسي أكبر من مجرد تخليد ذكرى رجل رحل قبل ثلاثة عقود تقريباً: ماذا بقي اليوم من المدرسة السياسية التي يمثلها علي يعتة؟
فاستحضار علي يعتة اليوم يضع اليسار المغربي أمام مرآة يصعب تفاديها. فالرجل الذي ينتمي إلى جيل كانت السياسة بالنسبة إليه مشروعاً فكرياً ومجتمعياً، لم يكن مجرد مسؤول حزبي يؤدي وظيفة انتخابية أو مؤسساتية، بل كان جزءاً من مرحلة كان فيها اليسار المغربي يمتلك خطاباً واضحاً، ويخوض معارك سياسية وفكرية كبرى، ويحاول التأثير في المجتمع وتأطير العمال والشباب والمثقفين والدفاع عن تصور مختلف للعدالة الاجتماعية والدولة والاقتصاد. أما اليوم، فقد أصبح حضور عدد من الأحزاب اليسارية أقل بكثير من إرثها التاريخي، وتراجعت قدرتها على التأثير في الشارع واستقطاب الأجيال الجديدة، كما لم تعد تمتلك القوة الانتخابية والسياسية التي تجعلها قادرة، منفردة أو مجتمعة، على تقديم نفسها باعتبارها بديلاً حقيقياً قادراً على تغيير موازين المشهد السياسي.
ولعل المفارقة أن الخطاب الذي استحضر به بنعبد الله إرث علي يعتة نفسه يطرح الأسئلة ذاتها التي يعاني منها اليسار اليوم. فالحديث عن «العمل الجماهيري والمؤسساتي»، وعن الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وعن جعل مصالح الشعب فوق الحسابات الضيقة، يعيدنا مباشرة إلى السؤال حول مدى قدرة الحزب، واليسار المغربي عموماً، على تحويل هذه المبادئ من مفردات سياسية متداولة إلى مشروع قادر على الوصول إلى المواطن وإقناعه. فالمغربي اليوم، ولا سيما الأجيال الشابة، لا يعيش المعارك السياسية التي خاضها جيل علي يعتة، وإنما يعيش أسئلة جديدة مرتبطة بالبطالة والتعليم والصحة والسكن وغلاء المعيشة وتكافؤ الفرص ومستقبل الشباب. وهي قضايا يفترض، في الأصل، أن تشكل أرضاً خصبة لأي مشروع يساري، لكن المفارقة أن اليسار لم يعد قادراً بالقدر الكافي على تحويل هذه المطالب الاجتماعية إلى قوة سياسية وجماهيرية واسعة.
وهنا ربما يكون السؤال أكثر دقة من القول إن «الفكر اليساري مات». فالأفكار التي قام عليها اليسار لم تمت؛ فالعدالة الاجتماعية، والمساواة، والدفاع عن الفئات الهشة، والحرية، والكرامة، وتقليص الفوارق الاجتماعية، كلها قضايا لا تزال حاضرة بقوة في المجتمع. الذي تراجع هو قدرة الأحزاب التي تحمل هذا الإرث على تجديد هذه الأفكار وتقديمها بلغة جديدة ومشروع جديد يستطيع أن يخاطب المواطن المغربي المعاصر. ولذلك فإن أزمة اليسار ليست بالضرورة أزمة أفكار بقدر ما هي أزمة أحزاب، وأزمة تجديد، وأزمة ثقة، وأزمة قدرة على الانتقال من استحضار الماضي إلى صناعة المستقبل.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تصبح زيارة قبر علي يعتة مناسبة سياسية تتجاوز طابعها الترحمي. فالشرعية التاريخية وحدها لا تكفي لبناء قوة سياسية في مغرب اليوم، والأحزاب لا تقاس فقط برموزها الماضية، وإنما بقدرتها على إنتاج أفكار وقيادات جديدة قادرة على فهم التحولات الاجتماعية واستعادة ثقة المواطنين. وتتجاوز مكانة علي يعتة حدود حزبه، فقد سبق لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أن أشاد بالراحل في رسالة سامية سنة 2017، باعتباره من القادة السياسيين المغاربة الرواد، مستحضراً مساره الوطني والسياسي وإسهامه في بناء المغرب الحديث، وهو ما يجعل استحضار إرثه اليوم مسؤولية تتجاوز تخليد الذكرى إلى سؤال تجديد المشروع.
غير أن الواقع السياسي يطرح مفارقة واضحة؛ فحزب التقدم والاشتراكية، رغم حضوره المؤسساتي واستمراره في المعارضة، لم يعد يمتلك القوة الجماهيرية التي تتناسب مع إرثه التاريخي، كما أن اليسار المغربي بمختلف مكوناته لم ينجح في بناء قوة موحدة قادرة على استقطاب شرائح واسعة من المجتمع. لذلك، فإن الوفاء الحقيقي لعلي يعتة لا يكون فقط بزيارة قبره واستحضار اسمه، وإنما بإعادة السياسة إلى المجتمع، وإنتاج خطاب ومشروع قادرين على إقناع الشباب بأن اليسار يمكن أن يكون قوة للحكم والتغيير، لا مجرد صوت للمعارضة.
وبين قبر علي يعتة وكلمة بنعبد الله، تبدو المسافة بين الأمس واليوم أكبر من مجرد 29 سنة؛ إنها مسافة بين جيل كان يسعى إلى صناعة الأفكار والقيادات والمعارك السياسية، وحاضر يسعى فيه جزء من اليسار إلى الحفاظ على ما تبقى من حضوره. فالتحدي أمام حزب التقدم والاشتراكية واليسار المغربي ليس استعادة كتاب الماضي، وإنما كتابة كتاب جديد، بلغة مغربية معاصرة، يعيد ثقة المواطن ويثبت أن اليسار ليس مجرد ذاكرة سياسية، بل يمكن أن يكون جزءاً من مستقبل المغرب.
التعليقات