القضاء يهز عرش صفحات التشهير والابتزاز
هوسبريس-خالد غوتي
اهتزّت عروش الصفحات التي اعتادت إطلاق التهم من خلف الشاشات، بعدما بدأت آليات القضاء تتحرك لوضع حد لفوضى رقمية طالما استغلت منصات التواصل الاجتماعي للتشهير بالناس، وتصفية الحسابات، والضغط على الشخصيات والمرشحين، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
لم تعد المسألة مجرد منشور عابر أو بث مباشر يختفي بعد دقائق، بل أصبح كل ما يُنشر في الفضاء الرقمي قابلاً للتوثيق والفحص، وقد يتحول من مادة للبحث عن المشاهدات إلى دليل ثقيل يضع صاحبه في مواجهة المساءلة القانونية. وهنا تبدأ نهاية الوهم الذي روّجت له بعض الصفحات لسنوات: أن الهاتف حصن، وأن الحساب المجهول قناع، وأن التشهير لعبة بلا ثمن.
فباسم «كشف المستور» أحياناً، وبشعار «حرية التعبير» أحياناً أخرى، وجدت بعض الصفحات طريقها إلى اقتحام حياة الناس وسمعتهم دون أدلة، وتحويل الاتهام إلى محتوى، والإشاعة إلى سبق، والكرامة الإنسانية إلى مادة لجلب التفاعل. ولم يتوقف الأمر عند حدود الإساءة، بل برزت ممارسات يُشتبه في أن بعضها يستعمل التشهير وسيلة للضغط والابتزاز، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص يرغبون في الترشح أو دخول غمار المنافسة الانتخابية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتسع المخاوف من تحول بعض الصفحات إلى أدوات لضرب المرشحين وتشويه صورتهم قبل أن تبدأ المنافسة الحقيقية. فبدل مواجهة الأفكار بالأفكار، والبرامج بالبرامج، قد يلجأ البعض إلى سلاح أكثر ظلاماً: منشورات مجهولة، اتهامات غير موثقة، وحملات متواصلة هدفها إنهاك المستهدف ودفعه إلى التراجع أو الرضوخ.
وهنا يصبح السؤال أخطر من مجرد «حرية النشر»: هل تحولت بعض الصفحات إلى غرف سوداء لتصفية الحسابات والابتزاز السياسي؟
إن القضاء، حين يبدأ في التعامل بصرامة مع ملفات التشهير الرقمي، لا يستهدف حرية التعبير ولا يضع القلم تحت الرقابة، بل يرسم الحد الفاصل بين النقد والإساءة، وبين الصحافة والابتزاز، وبين حق المواطن في المعلومة وحق الإنسان في الكرامة.
فالصفحة التي تكشف فساداً بالأدلة تؤدي دوراً مشروعاً، أما الصفحة التي تطلق الاتهامات ثم تنتظر الخائفين ليبحثوا عن مخرج، فالأمر مختلف تماماً. والنقد الذي يستند إلى الوقائع حق، أما تحويل السمعة إلى سلاح للضغط والمساومة، متى ثبت ذلك، فهو سلوك لا تحميه الشعارات الكبيرة.
لقد بدأ الزمن يتغير. فالأجهزة التقنية قادرة على تتبع الأدلة الرقمية، ومحاضر المعاينة تستطيع تثبيت المحتويات، وما يعتقد ناشره أنه اختفى بضغطة زر قد يكون محفوظاً وموثقاً. لذلك فإن حذف المنشور لا يعني دائماً نهاية آثاره، والاختباء خلف اسم مستعار لا يعني بالضرورة الهروب من المسؤولية.
ومع دخول البلاد مرحلة تسبق الاستحقاقات الانتخابية، تبدو المعركة ضد التشهير أكثر من مجرد ملفات فردية. إنها معركة لحماية الحياة العامة من «البلطجة الرقمية»، وحماية الانتخابات من الصفحات التي قد تحاول صناعة المرشحين أو إسقاطهم بالتهديد والإشاعة والتشويه.
القضاء اليوم يرسل إنذاراً مدوياً: لا أحد فوق القانون، ولا شاشة تحمي من المحاسبة، ولا عدد من المتابعين يمنح صاحبه رخصة للمس بكرامة الآخرين.
فمن يريد ممارسة النقد فليقدم الدليل، ومن يملك ملفاً فليضعه أمام الجهات المختصة، ومن يريد خوض الانتخابات فليواجه منافسيه في الميدان السياسي، لا في كواليس الصفحات المجهولة.
أما الذين جعلوا من التشهير تجارة، ومن سمعة الناس وسيلة للضغط، ومن اقتراب الانتخابات فرصة لفتح «أسواق الابتزاز»، فقد بدأت تقترب لحظة الحساب.
انتهى زمن الاختباء خلف الشاشة… وبدأ زمن العدالة.
التعليقات