الإثنين، 5 أكتوبر 2026
مجتمع

بنسليمان.. مدرسة الفارابي تجعل من الصحة المدرسية رافعة لمحاربة الهدر المدرسي

بنسليمان.. مدرسة الفارابي تجعل من الصحة المدرسية رافعة لمحاربة الهدر المدرسي

هوسبريس-توفيق مباشر 

احتضنت مدرسة الفارابي ببنسليمان المرحلة الرابعة من الحملة الصحية متعددة التخصصات، في مبادرة جمعت بين الفاعلين في مجالات التربية والصحة والتنمية والعمل الجمعوي، واستهدفت توفير عدد من الخدمات الطبية والوقائية لفائدة التلميذات والتلاميذ، في إطار شراكة بين المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والمديرية الإقليمية للتربية الوطنية، والمنطقة الإقليمية للصحة، وجمعية شفاء لتنمية واحات درعة.

وشهدت هذه المحطة حضور أسماء حيدي، المديرة الإقليمية ببنسليمان، إلى جانب الأطر التربوية والصحية ومختلف المتدخلين، بما يعكس الانخراط المؤسساتي في المبادرات الرامية إلى تعزيز الصحة المدرسية وتحسين الظروف التي تساعد المتعلمين على متابعة دراستهم في ظروف أفضل.

وشملت الحملة فحوصات في الطب العام وطب العيون وطب الأسنان، إلى جانب تقديم خدمات تحسيسية وتوعوية، وتوزيع نظارات طبية ومواد أساسية للعناية بصحة الفم والأسنان.

وتكتسي هذه الخدمات أهمية خاصة داخل الوسط المدرسي، بالنظر إلى أن بعض المشكلات الصحية قد تؤثر بشكل مباشر على قدرة التلميذ على التركيز والمشاركة ومتابعة الدروس، دون أن يتم الانتباه دائما إلى ارتباطها بوضعه الصحي.

ويعد ضعف البصر من أبرز الحالات التي يمكن أن تؤثر على المسار الدراسي للطفل، خصوصا عندما يجد صعوبة في رؤية السبورة أو قراءة المقررات والوثائق. وفي مثل هذه الحالات، قد يظهر التأثير في شكل تراجع في التحصيل أو ضعف في المشاركة داخل الفصل، بينما يظل السبب الحقيقي غير مشخص.

ومن هذا المنطلق، شكل فحص النظر وتوفير النظارات الطبية للحالات التي تحتاج إليها أحد الجوانب المهمة في الحملة، باعتبار أن معالجة مشكلة بصرية يمكن أن تزيل عائقا مباشرا أمام التعلم، وتساعد التلميذ على استعادة قدرته على المتابعة والتفاعل داخل القسم.

كما حظيت صحة الفم والأسنان باهتمام ضمن هذه المبادرة، من خلال الفحوصات والتوعية بأهمية النظافة والعناية اليومية بالأسنان، فضلا عن توزيع مواد تساعد الأطفال على اكتساب عادات صحية سليمة.

وتتجاوز أهمية هذا الجانب البعد العلاجي، لتشمل التربية على الوقاية وترسيخ السلوك الصحي في سن مبكرة، خاصة أن المدرسة تعد فضاء مناسبا لغرس العادات التي يمكن أن تمتد آثارها إلى الأسرة والمحيط الاجتماعي.

ولا ينفصل الاهتمام بالصحة المدرسية عن النقاش المرتبط بالهدر المدرسي، الذي تساهم فيه عوامل متعددة، من بينها الظروف الاجتماعية والاقتصادية والأسرية والتربوية، فضلا عن بعض المشكلات الصحية التي قد تؤثر على المواظبة والتحصيل.

فالتلميذ الذي يعاني من مشكلة صحية متكررة قد يجد صعوبة في التركيز أو الحضور المنتظم، وقد يؤدي تراكم هذه الصعوبات إلى تراجع في النتائج وفقدان الدافعية، خصوصا عندما لا يتم تشخيص الحالة والتعامل معها في الوقت المناسب.

ولهذا، أصبحت الوقاية والكشف المبكر جزءا من المقاربة التي يمكن اعتمادها لحماية المسار الدراسي للمتعلمين، من خلال تقريب الخدمات الصحية من المؤسسات التعليمية والوصول إلى الأطفال الذين قد تواجه أسرهم صعوبات في الاستفادة المنتظمة من بعض الخدمات الطبية.

وتبرز الحملة، في هذا السياق، أهمية الشراكة بين مختلف المتدخلين. فالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية تساهم في دعم المبادرات ذات البعد الاجتماعي، والإدارة التربوية تتولى مواكبة التلاميذ وتنظيم استفادتهم، فيما توفر المصالح الصحية الأطر والخبرة الطبية، ويضطلع المجتمع المدني بدور في التعبئة والتنظيم والمواكبة الميدانية.

ويعكس هذا التكامل أن قضايا الطفل لا يمكن معالجتها بمنطق قطاعي منفصل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات متداخلة من قبيل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية ومحاربة الهدر المدرسي.

وفي هذه المنظومة، يظل للأطر التربوية دور محوري، بحكم احتكاكها اليومي بالتلاميذ وقدرتها على ملاحظة بعض المؤشرات التي قد تدل على وجود صعوبات صحية، مثل تراجع التركيز أو ضعف المتابعة أو تغير السلوك داخل الفصل.

كما أن دور المدرس لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يمتد إلى المساهمة في توجيه الحالات التي تستدعي انتباها أو مواكبة، وهو ما يجعل المدرسة نقطة التقاء بين التربية والوقاية الصحية.

في المقابل، تحتاج الخدمات الطبية المقدمة للأطفال إلى مقاربة تراعي خصوصية الفئة العمرية المستهدفة، من خلال التواصل المبسط والطمأنة وخلق أجواء تقلل من الخوف المرتبط بالفحص الطبي، وتحول العملية إلى مناسبة للتوعية واكتساب السلوكيات الصحية.

وتعيد هذه التجربة أيضا طرح مسألة استدامة الحملات الصحية داخل المؤسسات التعليمية. فالمبادرات الظرفية تتيح تقديم خدمات مهمة في وقت محدد، غير أن الأثر الأكبر يتحقق عندما تصبح الفحوصات والوقاية والتوعية جزءا من برامج منتظمة، تسمح بالرصد المبكر للحالات ومواكبتها.

ومن شأن تعزيز التنسيق بين قطاعات التربية والصحة والتنمية، إلى جانب المجتمع المدني، أن يساهم في بناء آليات أكثر انتظاما للوصول إلى التلاميذ، خاصة في المؤسسات التي تضم فئات اجتماعية قد تكون أكثر حاجة إلى هذا النوع من الخدمات.

كما يطرح الأمر أهمية تقييم هذه المبادرات ليس فقط من خلال عدد المستفيدين، وإنما أيضا من خلال تتبع الحالات المكتشفة، ومدى استفادتها من المواكبة، وانعكاس ذلك على الحضور والتحصيل والاستقرار الدراسي.

وتقدم محطة مدرسة الفارابي ببنسليمان، في مرحلتها الرابعة، نموذجا للتعاون بين عدد من المؤسسات والهيئات حول قضية تتقاطع فيها الأبعاد الصحية والتربوية والاجتماعية.

وبين فحص النظر، والعناية بصحة الأسنان، والتوعية الصحية، وتوفير بعض المستلزمات الطبية، يتضح أن الاستثمار في صحة المتعلم يبدأ من تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنه يمكن أن ينعكس على قدرته على التعلم وعلى علاقته بالمدرسة.

ويبقى توسيع مثل هذه المبادرات وضمان استمراريتها رهينا بقدرة مختلف المتدخلين على تحويل الشراكات الميدانية إلى برامج منتظمة، تجعل من الوقاية الصحية جزءا من الحياة المدرسية، وتضع مصلحة المتعلم في صلب كل تدخل يستهدف تحسين شروط التمدرس والحد من أسباب الهدر المدرسي.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً