محكمة الاستئناف ترفض حل الهيئة الوطنية لتراجمة المغرب
هوسبريس-خالد غوتي
حسم القضاء الإداري بالرباط واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل المشهد الجمعوي المرتبط بمهنة الترجمة، بعدما أيدت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط الحكم الابتدائي القاضي برفض طلب حل الهيئة الوطنية لتراجمة المغرب، في قرار يعيد ترتيب أوراق النزاع ويضع حداً لمسار قضائي كان يستهدف إسقاط الإطار الجمعوي للهيئة.
وأصدرت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط قرارها رقم 90 بتاريخ 17 مارس 2026، في الملف عدد 7205/2026/70، مؤيدة الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط تحت عدد 488 بتاريخ 30 أكتوبر 2025، والذي رفض الطلب الذي تقدمت به جمعية التراجمة المقبولين لدى المحاكم والرامي إلى حل الهيئة.
ولم تأت أهمية القرار من كونه أنهى جولة من جولات التقاضي فحسب، بل من كونه وضع حداً لمحاولة قضائية كان من شأنها، لو قُبلت، أن تفتح الباب أمام إلغاء إطار جمعوي قائم على أساس قانوني، بما يحمله ذلك من تداعيات على حرية التنظيم والعمل الجمعوي.
من طلب الحل إلى تثبيت المشروعية
المحكمة الإدارية، بدرجتيها الابتدائية والاستئنافية، اختارت الحسم من داخل منطق القانون، وانتهت إلى رفض الطلب، بما يعني عملياً استمرار الوضع القانوني للهيئة وعدم الاستجابة للمطالبة بحلها.
وهنا تكمن النقطة الأهم في القرار: فالمعركة لم تعد مجرد خلاف بين جمعيتين أو اختلاف في تقدير حدود الاختصاص، وإنما تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى احترام القواعد التي تحكم تأسيس الجمعيات واستمرارها وممارسة أنشطتها.
وبتأييد الحكم الابتدائي، يكون القضاء الإداري قد أغلق الباب أمام محاولة إسقاط الهيئة عبر القضاء، تاركاً للهيئة مجال مواصلة نشاطها في إطار ما يسمح به القانون، بعيداً عن منطق الإلغاء بمجرد وجود خلاف مؤسساتي أو مهني.
قرار يضع حرية العمل الجمعوي أمام ميزان القضاء
الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذا المسار القضائي هي أن حل الجمعيات ليس مسألة تُحسم بالرغبة أو الخصومة أو اختلاف المواقع، وإنما تخضع لشروط وضوابط قانونية يفصل فيها القضاء وفق ما يعرض عليه من وقائع وحجج.
ومن هذه الزاوية، يمثل الحكم محطة مهمة في النقاش حول حدود العمل الجمعوي بالمغرب، خصوصاً عندما تتحول الخلافات المهنية والمؤسساتية إلى نزاعات قضائية تستهدف وجود أحد الأطراف.
فالعمل الجمعوي، متى تأسس وفق المقتضيات القانونية، لا يفترض أن يبقى رهينة للصراعات الداخلية أو المنافسة حول التمثيلية والنفوذ، وإنما يخضع للقانون الذي يحدد شروط وجوده وحدود ممارسته.
نهاية معركة أم بداية مرحلة جديدة؟
لكن الانتصار القضائي لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لتصفية الحسابات أو تعميق الانقسام داخل الجسم المهني.
فالقرار، في جوهره، لا يمنح أي طرف شيكاً على بياض، ولا يحول الخلاف المهني إلى انتصار دائم لطرف على حساب آخر، بقدر ما يعيد الجميع إلى المرجعية التي يفترض أن تكون فوق كل التجاذبات: القانون.
وبالتالي، فإن ما بعد القرار قد يكون أهم من القرار نفسه؛ لأن المطلوب اليوم ليس فقط الاحتفاء برفض دعوى الحل، وإنما تحويل هذا الحسم القضائي إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، وترتيب العلاقة بين مختلف الهيئات المهنية والجمعوية، والانتقال من منطق المنازعة على الوجود إلى منطق العمل من أجل تطوير قطاع الترجمة.
القضاء قال كلمته.. والباقي مسؤولية الفاعلين
لقد حسم القضاء الإداري في حدود النزاع المعروض أمامه، وأصدر قراره في درجتين من درجات التقاضي، ليبقى على الفاعلين داخل هذا المجال أن يستوعبوا دلالة الحكم بعيداً عن القراءات الانتقائية.
فالقوة الحقيقية لأي هيئة لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض المعارك القضائية، وإنما بقدرتها على تحويل الشرعية القانونية إلى عمل مؤسساتي، وعلى جعل الاختلاف وسيلة للتطوير لا ذريعة للإقصاء.
وبذلك، لا تبدو قضية الهيئة الوطنية لتراجمة المغرب مجرد ملف انتهى بحكم قضائي، بل محطة كشفت أن الطريق إلى حسم الخلافات المؤسساتية لا يمر عبر التشكيك المتبادل، وإنما عبر الاحتكام إلى القانون.
انتهت معركة الحل بحكم قضائي، لكن التحدي الحقيقي يبدأ الآن: ماذا ستفعل الهيئة بهذه الشرعية القضائية؟ وكيف سيعيد باقي الفاعلين ترتيب علاقتهم بها وبمستقبل مهنة الترجمة؟

التعليقات