الإثنين، 17 أغسطس 2026
القضاء

الحكم على سكينة كلامور.. رسالة قوية إلى مشاهير المنصات

الحكم على سكينة كلامور.. رسالة قوية إلى مشاهير المنصات

هوسبريس-سيداتي بيدا 

أصدرت المحكمة حكماً بالسجن النافذ لمدة عشرة أشهر وغرامة مالية قدرها 500 درهم، مع المنع من استعمال والظهور في وسائل التواصل الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات، في حق سكينة كلامور، في قضية أعادت إلى الواجهة سؤالاً لم يعد ممكناً تجاهله: هل تحولت الشهرة الرقمية لدى البعض إلى اعتقاد بالحصانة من القانون؟

لم يعد الحكم مجرد واقعة قضائية مرتبطة باسم معروف على منصات التواصل الاجتماعي، بل أصبح محطة تكشف حدود العلاقة بين الشهرة والمسؤولية. فحين يصل المحتوى إلى آلاف أو ملايين المتابعين، لا يعود ما يُقال مجرد حديث عابر داخل فضاء خاص، وإنما يصبح جزءاً من الفضاء العام، بما يحمله ذلك من مسؤوليات قانونية وأخلاقية.

لقد صنعت منصات التواصل جيلاً جديداً من المشاهير، ومنحت أشخاصاً عاديين قدرة هائلة على الوصول إلى الجمهور دون المرور عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية. وهذه القوة في حد ذاتها ليست مشكلة، بل تكمن المشكلة عندما يتحول الانتشار إلى شعور بأن صاحب الحساب يستطيع قول كل شيء وفعل كل شيء، ثم الاحتماء بعدد المتابعين عندما تبدأ المساءلة.

وتأتي قضية سكينة كلامور في لحظة أصبح فيها جزء من صناعة المحتوى قائماً على منطق مختلف: كلما ارتفع منسوب الإثارة ارتفعت المشاهدات، وكلما اشتد الاستفزاز اتسعت دائرة التفاعل. وهكذا أصبح «الترند» في أحيان كثيرة هدفاً بحد ذاته، حتى ولو كان الطريق إليه يمر عبر خطاب صادم أو محتوى يثير الجدل أكثر مما يقدم قيمة حقيقية.

وهنا تتولد المشكلة التي تستحق النقاش: عندما تتحول المشاهدة إلى معيار للنجاح، يصبح المحتوى الجيد منافساً غير متكافئ أمام المحتوى الصادم. فالهدوء لا يصنع ضجيجاً، والمعرفة لا تنتشر دائماً بسرعة، بينما تكفي عبارة مستفزة أو واقعة مثيرة لإشعال المنصات خلال دقائق.

لكن القانون لا يتعامل مع منطق «الترند». فعدد المتابعين لا يمنح حصانة، والمشاهدات لا تمنح براءة، والشهرة لا تجعل صاحبها فوق القواعد التي يخضع لها الجميع. ومن الخطأ الاعتقاد بأن الانتشار الواسع يمكن أن يتحول إلى درع في مواجهة المساءلة.

وفي المقابل، فإن الحديث عن المسؤولية لا يعني بأي شكل من الأشكال الدعوة إلى إسكات الأصوات الرقمية أو التضييق على حرية التعبير. فالمجتمع يحتاج إلى النقد، ويحتاج إلى الصحافة الرقمية، ويحتاج إلى صناع محتوى قادرين على طرح الأسئلة وكشف الاختلالات وفتح النقاش العمومي. لكن الحرية لا يمكن أن تنفصل عن المسؤولية، ولا يمكن أن تتحول إلى غطاء للتجاوز.

والأمر لا يتعلق فقط بمن يقف أمام الكاميرا، بل أيضاً بالجمهور الذي يملك جزءاً من مسؤولية المشهد. فالمتابع الذي يكافئ كل استفزاز بمشاهدة ومشاركة وتعليق يساهم، ولو بشكل غير مباشر، في استمرار هذا النوع من المحتوى. وكلما أصبح التجاوز طريقاً مضموناً إلى الشهرة، زاد إغراء الآخرين بتكراره.

لهذا، فإن الحكم الصادر في قضية سكينة كلامور يجب أن يُقرأ في سياقه القانوني والقضائي، دون أحكام مسبقة أو اختزال القضية في شخصية واحدة. لكنه في الوقت نفسه يفتح نقاشاً ضرورياً حول مستقبل المحتوى الرقمي، وحول الحدود التي ينبغي أن يفهمها كل من اختار أن يجعل من المنصة وسيلة للتأثير في الجمهور.

فالشهرة ليست سلطة، والمتابعون ليسوا حصانة، والكاميرا ليست منطقة خارج القانون. وقد يكون أخطر ما يمكن أن يصدقه أي مؤثر هو أن الأرقام تمنحه قوة أكبر من المسؤولية.

لقد آن الأوان لأن تتغير المعادلة: ليس المهم كم شخصاً يتابعك، بل ماذا تقدم لهم؛ وليس المهم كم مرة تصدرت «الترند»، بل ماذا تركت وراءك بعد أن ينتهي الضجيج.

فقد تصنع التفاهة شهرة سريعة، وقد ترفع المشاهدات صاحبها إلى القمة في وقت قصير، لكن الشهرة لا تؤجل الحساب، ولا تستطيع الأضواء أن تحجب المسؤولية.

الحكم على سكينة كلامور قد يكون خبراً قضائياً في حد ذاته، لكنه يحمل رسالة أوسع: في الفضاء الرقمي أيضاً، لا أحد فوق القانون.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً