الإثنين، 5 أكتوبر 2026
دولي

من الفصول إلى الشارع.. الغضب الطلابي يكشف عمق أزمة التعليم في فرنسا

من الفصول إلى الشارع.. الغضب الطلابي يكشف عمق أزمة التعليم في فرنسا

هوسبريس-سيداتي بيدا 

لم تعد أزمة التعليم في فرنسا محصورة في مؤشرات نقص الأطر التربوية، أو اكتظاظ الفصول الدراسية، أو تراجع جودة البنيات المدرسية. فقد انتقلت حالة التوتر داخل المؤسسات التعليمية إلى الشارع، مع اتساع رقعة احتجاجات طلابية تحولت إلى واحدة من أبرز موجات الغضب التي عرفتها المدارس الفرنسية خلال السنوات الأخيرة.

وانطلقت شرارة الاحتجاجات من عدد من الثانويات في ضواحي باريس، قبل أن تمتد تدريجياً إلى مئات المؤسسات التعليمية في مناطق مختلفة من البلاد. وتركزت مطالب المحتجين حول قضايا ترتبط مباشرة بواقع الحياة المدرسية، من بينها نقص الموارد البشرية، ارتفاع أعداد التلاميذ داخل الأقسام، تدهور البنيات والتجهيزات، فضلاً عن المطالبة بظروف تعليم أكثر ملاءمة.

ومع تصاعد الاحتجاجات، انتقل المشهد من الساحات المدرسية إلى المجال الأمني. فقد شهدت بعض المناطق تدخلات لقوات الشرطة لتفريق المحتجين، تخللتها مواجهات واستخدام الغاز المسيل للدموع. كما أثار تدخل عناصر أمنية على صهوة الخيول في مدينة سيفران انتقادات، بعدما اعتبر طلاب وأولياء أمور أن الطريقة التي جرى بها التعامل مع الاحتجاجات تجاوزت، في نظرهم، ما تقتضيه طبيعة التحركات الطلابية.

آلاف الموقوفين ونسبة مرتفعة من القاصرين

أحد أكثر جوانب الأزمة إثارة للقلق تمثل في ارتفاع عدد الموقوفين خلال فترة التصعيد. ووفق معطيات لوزارة الداخلية الفرنسية، تجاوز عدد الأشخاص الذين جرى توقيفهم خمسة آلاف شخص، كان نحو 85 في المائة منهم دون سن الرشد.

وتؤكد السلطات أن التوقيف لا يعني بالضرورة ثبوت ارتكاب مخالفة أو إدانة أصحابها، غير أن ارتفاع نسبة القاصرين بين الموقوفين أعاد إلى الواجهة النقاش بشأن كيفية تعامل الدولة مع الاحتجاجات التي يشارك فيها تلاميذ لم يبلغوا سن الرشد.

في المقابل، تبرر السلطات تدخلاتها الأمنية بتسجيل أعمال تخريب وإحراق ورشق للقوات الأمنية، فضلاً عن أضرار لحقت ببعض المؤسسات التعليمية وإصابات طالت مدرسين وعناصر من الشرطة. كما أعلنت وزارة التربية تسجيل أضرار مادية في عشرات المؤسسات، بينما اضطرت السلطات إلى تعليق الدراسة جزئياً أو كلياً في عدد من الثانويات التي اعتُبرت أوضاعها الأمنية غير ملائمة لاستقبال التلاميذ.

حين تنتقل أزمة المدرسة إلى الشارع

ويكشف اتساع الاحتجاجات عن أزمة تتجاوز في أبعادها حدود الاحتجاج الظرفي. فالمطالب المرفوعة من طرف التلاميذ ترتبط بجزء أساسي من المشكلات التي تواجه المدرسة الفرنسية منذ سنوات، وفي مقدمتها الضغط المتزايد على المؤسسات، وصعوبة توفير أعداد كافية من المدرسين، وتفاوت ظروف الدراسة بين المناطق، فضلاً عن وضع عدد من البنيات التعليمية.

وفي الوقت الذي تركز فيه السلطات على استعادة الهدوء وضمان استمرار الدراسة، يرى المحتجون وأولياء الأمور أن المقاربة الأمنية لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة الأسباب التي دفعت التلاميذ إلى الاحتجاج.

وبين تشدد السلطات في مواجهة أعمال العنف والتخريب، وإصرار المحتجين على إيصال مطالبهم، تجد المدرسة الفرنسية نفسها أمام معادلة معقدة: كيف يمكن حماية المؤسسات التعليمية وضمان سلامة التلاميذ والموظفين، من دون أن يتحول الاحتجاج المدرسي إلى مواجهة أمنية مفتوحة؟

فالأزمة، في جوهرها، لا تتعلق فقط بما يحدث أمام أبواب المدارس، وإنما بما يجري داخلها أيضاً. وإذا كان الأمن ضرورياً لحماية المؤسسات والأفراد، فإن معالجة جذور الاحتقان تظل مرتبطة قبل كل شيء بقدرة السياسة التعليمية على توفير مدرسين كافين، وأقسام ملائمة، ومؤسسات مجهزة، وبيئة دراسية تعيد إلى التلاميذ ثقتهم في المدرسة.

ذلك أن تهدئة الشارع قد تنهي مظاهر الاحتجاج مؤقتاً، لكنها لن تنهي بالضرورة أسباب الغضب ما لم تُفتح معالجة جدية للاختلالات التي راكمتها المدرسة الفرنسية على مدى سنوات.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً