الاتحاد العربي للنقابات يحذر: الصحة النفسية للعمال في خطر وسط اتساع الهشاشة وتدهور شروط العمل.

هوسبريس_حسن برهون
يُحيي الاتحاد العربي للنقابات، إلى جانب مختلف الفاعلين النقابيين في العالم، اليوم العالمي للسلامة والصحة المهنية، في سياق دولي وإقليمي يتسم بتزايد الضغوط على الطبقة العاملة، نتيجة تداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، واتساع رقعة النزاعات والحروب، إلى جانب تنامي أشكال العمل الهش وغير المنظم، وتراجع منظومات الحماية الاجتماعية في عدد من البلدان.
هذا الواقع المركب أعاد توسيع مفهوم السلامة والصحة المهنية، ليخرج من إطاره التقليدي المرتبط بالحوادث والإصابات الجسدية داخل أماكن العمل، نحو مقاربة أشمل باتت تضع الصحة النفسية للعمال في صلب النقاش. فالإجهاد المزمن، وضغوط الإنتاج، وانعدام الاستقرار المهني، باتت تُشكل، وفق متابعين، أحد أبرز التحديات الصامتة التي تواجه العمال في مختلف القطاعات.
وفي هذا السياق، اعتبرت هند بن عمار، السكرتير التنفيذي للاتحاد العربي للنقابات، أن تدهور الصحة النفسية في بيئة العمل ليس حالة معزولة، بل نتيجة مباشرة لأنماط إنتاج تُثقل كاهل الإنسان بمعايير أداء مرتفعة، في مقابل هشاشة في شروط التشغيل، وضعف في الضمانات الاجتماعية، وتراجع في الأمان الوظيفي.
وتضيف بن عمار أن الحديث عن الصحة النفسية في العمل لا يمكن فصله عن باقي الحقوق الأساسية للعمال، مؤكدة أنه “لا يمكن تصور رفاه نفسي في ظل أجور غير عادلة، أو غياب للاستقرار المهني، أو انعدام للحماية الاجتماعية، أو غموض في ساعات العمل، أو تضييق على العمل النقابي والمفاوضة الجماعية”. وترى أن أي مقاربة تتجاهل هذه العناصر تظل، في جوهرها، ناقصة وغير قادرة على معالجة جذور المشكلة.
وتشير المسؤولة النقابية إلى أن سوق العمل في المنطقة العربية يشهد تحولات عميقة، أبرزها توسع الاقتصاد الرقمي غير المنظم، وما يرافقه من تحكم خوارزمي في ظروف العمل، إلى جانب تزايد هشاشة أوضاع العاملات، وتفاقم معاناة العمال المهاجرين الذين يواجهون تحديات إضافية مرتبطة بالعزلة والتمييز وضعف الحماية القانونية. كما تلفت إلى أن فئة الشباب العامل تجد نفسها في بيئة عمل تتسم بعدم الاستقرار وغياب آفاق مهنية واضحة.
وترى بن عمار أن هذا الوضع يعكس اختيارات اقتصادية واجتماعية قائمة على تغليب منطق المرونة والربح السريع على حساب حقوق العمال وكرامتهم، مع تراجع واضح في أدوار الحوار الاجتماعي وضعف تأثير النقابات في موازين علاقات الشغل.
وفي ما يتعلق بدور الحركة النقابية، تؤكد القيادية النقابية أن المنظمات العمالية مدعوة إلى إدماج الصحة النفسية بشكل أعمق داخل أجندتها، إلى جانب الدفع نحو تحديث التصنيفات المرتبطة بالأمراض المهنية، بما يواكب التحولات التي يعرفها سوق العمل، خاصة ما يتعلق بظهور أمراض نفسية مرتبطة بالضغط المهني المستمر.
كما تدعو إلى اعتبار الصحة النفسية جزءاً لا يتجزأ من منظومة السلامة والصحة المهنية، وإدراجها ضمن التشريعات وآليات المراقبة والتفتيش، مع توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل مختلف فئات العمال، خاصة في القطاعات الهشة والاقتصاد الرقمي والعمال المهاجرين.
وفي المقابل، تشدد على مسؤولية أرباب العمل في إعادة النظر في أنماط تدبير الموارد البشرية، والحد من السياسات القائمة على الضغط المفرط وسوء التنظيم والإرهاق المستمر، بما يضمن احترام كرامة العامل كعنصر أساسي في أي منظومة إنتاج مستدامة.
ويخلص الاتحاد إلى أن حماية صحة العمال، بجانبيها الجسدي والنفسي، لم تعد خياراً ثانوياً، بل أصبحت شرطاً أساسياً لأي نموذج عمل عادل ومتوازن، قادر على الاستجابة لتحديات المرحلة دون التضحية بالعنصر البشري.


اترك تعليقاً