×

سلوك منحط يعرّي الادعاء: لاعب من “بلد المليون شهيد” يسخر من ذاكرة تحرر الشعوب.

سلوك منحط يعرّي الادعاء: لاعب من “بلد المليون شهيد” يسخر من ذاكرة تحرر الشعوب.

هوسبريس_خالد غوتي

ما أقدم عليه اللاعب الجزائري عمورة ليس زلّة لسان ولا تصرّفًا عابرًا يمكن التماس الأعذار له، بل انحدار أخلاقي فاضح يفضح التناقض العميق بين خطاب يُرفع للاستهلاك، وسلوك يكشف الحقيقة دون مساحيق، فأن يصدر الاستهزاء برموز تحرر شعبٍ إفريقي عن لاعب ينتمي إلى دولة لا تكفّ عن المتاجرة بشعار “بلد المليون شهيد”، فذلك ليس مجرد عبث، بل سقوط مدوٍّ في امتحان القيم قبل الأخلاق الرياضية.
المشجع الكونغولي لم يقترف “جريمة” سوى أنه عبّر عن حبه لوطنه عبر رمزية تاريخية تجسّد أول رئيس لبلاده بعد كسر قيود الاستعمار البلجيكي، رمزية تختزل ذاكرة شعب قاوم، وناضل، وانتزع حريته بثمن باهظ. غير أن اللاعب اختار أن يحوّل هذه الذاكرة إلى مادة للسخرية، في مشهد يكشف استخفافًا مهينًا بتاريخ الشعوب الحرة، وعداءً مكشوفًا لكل ما يرمز للتحرر خارج السردية الضيقة التي اعتاد البعض ترديدها.
الأخطر أن هذا السلوك لا يمكن عزله عن ازدواجية خطابية صارخة: شعارات صاخبة عن الاستقلال والسيادة، تقابلها ممارسات تحتقر رموز الاستقلال حين تتجسد لدى الآخرين، وهنا يصبح السؤال ملحًّا: هل هو جهل فاضح بتاريخ إفريقيا؟ أم تعالٍ مريض على نضالات شعوب دفعت الدم ثمنًا لحريتها؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: إفلاس أخلاقي لا يمكن تلميعه.
عمورة، وهو لاعب دولي، لم يُخطئ فقط في حق مشجع أعزل، بل أساء إلى صورة القميص الذي يرتديه، وأسقط عن نفسه صفة القدوة، فاللاعب الذي يعجز عن احترام ذاكرة الشعوب، لا يستحق أن يتحدث عن القيم، ولا أن يتخفّى خلف شعارات الشهداء التي تُستحضر عند الحاجة وتُداس عند أول اختبار حقيقي.
كرة القدم ليست حلبة لتفريغ العقد التاريخية، ولا مسرحًا للاستهزاء بآلام الشعوب. إنها فضاء للتلاقي والاحترام، ومن يسخر من رموز تحرر الآخرين، يُعلن – صراحة أو ضمنًا – عداءه لقيم الحرية ذاتها، فالتاريخ لا يُصان بالشعارات الجوفاء، بل بالمواقف، وموقف هذا اللاعب كان سقوطًا أخلاقيًا مدويًا، يسيء للرياضة، ويهين ذاكرة إفريقيا، ويفضح زيف خطاب طالما ادّعى نصرة التحرر وهو أول من يستهزئ برموزه.

اترك تعليقاً

You May Have Missed