الخميس، 30 يوليو 2026
الرأي

حسن غوتي يكتب: خطاب العرش.. حين تتحول الرؤية الملكية إلى مشروع دولة

حسن غوتي يكتب: خطاب العرش.. حين تتحول الرؤية الملكية إلى مشروع دولة

هوسبريس-حسن غوتي 

ليست كل الخطب السياسية قابلة لأن تُقرأ خارج لحظة إلقائها، لكن هناك خطبًا تتجاوز المناسبة التي قيلت فيها لتتحول إلى وثيقة تفسر مسار دولة، وتحدد فلسفة اشتغالها، وتكشف المنطق الذي يحكم اختياراتها الكبرى. وخطاب العرش لسنة 2026 يندرج ضمن هذا الصنف؛ فهو لم يكن مجرد جرد لحصيلة الإنجازات، ولا مناسبة للاحتفاء بما تحقق، بل جاء ليعيد ترتيب النقاش حول سؤال ظل حاضرًا في الساحة السياسية: من يصنع التحولات الكبرى في المغرب؟

قد تبدو الإجابة بديهية عند قراءة الأرقام التي استعرضها الخطاب. نمو اقتصادي متواصل، قفزة صناعية، توسع في الاستثمارات، مشاريع استراتيجية في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، ريادة إفريقية في صناعة السيارات، تقدم في الصناعات الجوية، ارتفاع في المؤشرات السياحية، وتوسع في أوراش الحماية الاجتماعية. غير أن الخطاب لم يتوقف عند سرد هذه المنجزات، بل تعمد أن يمنحها معناها السياسي والدستوري.

ولعل العبارة الأكثر دلالة في الخطاب جاءت حين أكد جلالة الملك أن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تم تحقيقها تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا.”

هذه العبارة ليست مجرد توضيح، بل هي المفتاح الذي يفتح جميع أبواب الخطاب. فمن خلالها، تنتقل القراءة من منطق الإنجاز إلى منطق صناعة الإنجاز، ومن سؤال “ماذا تحقق؟” إلى سؤال أكثر عمقًا: “كيف تحقق؟”.

فالخطاب يرفض، بصورة غير مباشرة، اختزال المسار التنموي للمغرب في عمر حكومة أو ولاية تشريعية أو أغلبية سياسية. لأن المشاريع التي تغير وجه الدول لا تُبنى بمنطق خمس سنوات، ولا تُقاس بإيقاع الانتخابات، وإنما تُصاغ وفق رؤية بعيدة المدى، تحافظ على وجهتها مهما تغيرت الحكومات وتعاقبت الأغلبية والمعارضة.

وهنا تتجلى فلسفة الدولة المغربية كما يقدمها خطاب العرش، دولة تؤمن بالتراكم لا بالقطيعة، وبالاستمرارية لا بالموسمية، وبالتخطيط الاستراتيجي لا بردود الفعل. لذلك لم يكن غريبًا أن يربط الخطاب بين مختلف الأوراش الكبرى، من الصناعة إلى الأمن الغذائي، ومن الاستثمار إلى التحول الطاقي، ومن الحماية الاجتماعية إلى المكانة الدولية للمغرب، باعتبارها حلقات في مشروع وطني واحد، لا مبادرات منفصلة فرضتها الظرفية.

ومن زاوية أخرى، يحمل الخطاب رسالة سياسية دقيقة، خاصة وأنه يأتي قبل الاستحقاقات التشريعية المقبلة. فهو يعيد رسم الحدود بين المشروع الوطني والتنافس الحزبي، ويؤكد أن الحكومات، مهما كان لونها السياسي، تظل جزءًا من منظومة التنفيذ، بينما تستمد الاختيارات الكبرى للدولة استمراريتها من رؤية استراتيجية تضمن استمرار الأوراش وعدم خضوعها لتقلبات المواعيد الانتخابية.

وهذه المقاربة ليست مجرد قراءة سياسية، بل هي تعبير عن نموذج في الحكامة اختاره المغرب منذ سنوات، يقوم على بناء المؤسسات، وتحصين المشاريع الكبرى، وربط التنمية بمنطق الدولة لا بمنطق الأشخاص. ولذلك حافظت أوراش كبرى، مثل البنيات التحتية، والصناعة، والطاقات المتجددة، وتوسيع الحماية الاجتماعية، على استمراريتها رغم تغير الحكومات، لأن مرجعيتها لم تكن ظرفية، بل استراتيجية.

كما أن الخطاب لم يكتف بالنظر إلى حصيلة الماضي، بل وجه البوصلة نحو المستقبل. فحديث جلالة الملك عن مرحلة جديدة بعد الانتخابات، شعارها تحصين المكتسبات ومواصلة الإصلاحات، يؤكد أن الرهان لم يعد إطلاق الأوراش فحسب، بل ضمان استدامتها وتسريع مردوديتها، بما يجعل التنمية مشروعًا متواصلًا لا يتوقف عند نهاية ولاية حكومية أو بداية أخرى.

ومن هنا، يمكن القول إن الرسالة الأعمق التي حملها خطاب العرش ليست أن المغرب حقق إنجازات مهمة، فذلك أصبح واقعًا تؤكده المؤشرات. وإنما الرسالة أن هذه الإنجازات ليست سوى نتيجة طبيعية لرؤية ملكية بعيدة المدى، اختارت أن تبني الدولة بمنطق التراكم، وأن تجعل الاستقرار أداة للتنمية، والتنمية مدخلًا لتعزيز السيادة، والسيادة ركيزة لترسيخ مكانة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.

لهذا، فإن قراءة خطاب العرش لا ينبغي أن تتوقف عند لغة الأرقام، بل عند الفلسفة التي أنتجتها. فالأرقام قد تتغير من سنة إلى أخرى، أما الرؤية فهي التي تمنحها معناها، وتحولها من إنجازات متفرقة إلى مشروع دولة متكامل، عنوانه الاستمرارية، وعماده التراكم، وأفقه مغرب أكثر قوة، وأكثر تنافسية، وأكثر قدرة على صناعة مستقبله بثقة وثبات.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً