من معركة قانون المهنة إلى «المحاماة في صف الوطن».. ماذا يقول بيان 30 غشت
بقلم – خليل الكطابي
بعد أشهر من الاحتجاج والتوقف عن تقديم الخدمات المهنية، وفي وقت دخل فيه القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة حيز التنفيذ، اختارت جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن توجه رسالتها هذه المرة في اتجاه آخر: الخلاف مع القانون شيء، والخلاف مع الدولة وثوابتها شيء آخر.
في بيان صادر يوم 30 غشت، رفض رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، الأستاذ النقيب الحسين الأزمي، ما اعتبره محاولات لاستغلال موقف المحامين من بعض مقتضيات قانون المهنة، وتحريفه عن سياقه المهني والمؤسساتي، وتصويره باعتباره موقفاً يمس المؤسسة الملكية.
البيان لا يعلن تراجع المحامين عن معركتهم، بل يؤكد استمرار الخلاف حول القانون، لكنه يرسم في المقابل حدوداً واضحة لهذه المعركة: إنها معركة مهنية وتشريعية، وليست مواجهة مع الملك أو الوطن.
وهنا تكمن أهمية البيان فالمحامون، الذين اختاروا التصعيد والاحتجاج دفاعاً عن استقلال مهنتهم وموقعها داخل منظومة العدالة، وجدوا أنفسهم أمام تأويلات تتجاوز مضمون خلافهم، خصوصاً بعدما دخل القانون مرحلة التنفيذ. ولذلك جاء الرد حاسماً: لا ينبغي تحويل خلاف مهني حول قانون إلى صورة لصراع بين المحاماة والدولة.
وتؤكد الجمعية أن الخلاف حول القوانين والاختيارات التشريعية يظل جزءاً طبيعياً من العمل المؤسساتي، فالقوانين قابلة للنقاش والمراجعة والتعديل، وممارسة النقد لا تعني بالضرورة الوقوف في مواجهة مؤسسات الدولة.
لكن اللافت أن البيان لم يكتف بالدفاع عن الموقف المهني الراهن، بل استحضر تاريخ المحاماة المغربية ودورها في محطات التحرير والاستقلال والدفاع عن الوحدة الترابية وبناء دولة المؤسسات، وكأنه يريد أن يقول إن الاعتراض على قانون لا يمكن أن يمحو علاقة المحاماة بتاريخ البلاد وثوابتها.
ومن هنا جاءت العبارة الأكثر دلالة في البيان: «المحاماة في صف الوطن».
وهي رسالة موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد؛ إلى الداخل، للتأكيد على أن الدفاع عن استقلال المهنة لا يعني القطيعة مع مؤسسات الدولة، وإلى الخارج، لرفض استغلال الخلاف المهني المغربي وتقديمه في صورة صراع سياسي أو مؤسساتي.
غير أن هذه الرسالة لا تلغي السؤال الأساسي الذي ما زال قائماً: كيف يمكن إنهاء أزمة المحامين بعدما أصبح القانون نافذاً، فيما لا تزال الجمعية متمسكة بمعركتها؟
هنا ستكون المرحلة المقبلة أكثر صعوبة. فاستمرار الاحتجاج يعني استمرار تأثير الأزمة على المتقاضين وعلى السير العادي للعدالة، بينما يحتاج إنهاء المواجهة إلى حوار قادر على معالجة نقاط الخلاف دون أن يشعر أي طرف بأنه اضطر إلى التخلي عن جوهر موقفه.
في النهاية، لا يبدو بيان 30 غشت بيان تراجع، كما أنه ليس إعلان مواجهة جديدة. إنه محاولة لإعادة تعريف المعركة: المحامون يريدون مواصلة الدفاع عن استقلال مهنتهم، لكنهم يرفضون أن تتحول هذه المعركة إلى خصومة مع الوطن أو المؤسسة الملكية.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأهم: في دولة المؤسسات، يمكن أن يختلف المهنيون مع قانون، ويمكن للمؤسسات أن تتمسك باختياراتها، لكن الاختلاف لا يصبح بالضرورة خصومة مع الوطن.
التعليقات