28 أستاذا ينتظرون الإنصاف.. لماذا تعطل ملف الأطباء البياطرة بوزارة المالية؟
بعد سنوات من الانتظار والترافع من أجل إنصاف الأطباء البياطرة الأساتذة الباحثين العاملين بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، عرف ملف تسوية وضعيتهم النظامية خلال الفترة الأخيرة تقدما مهما أعاد الأمل إلى هذه الفئة، التي لا يتجاوز عدد أفرادها 28 أستاذا على الصعيد الوطني.
وقد حظي الملف بموافقة وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، حيث جرى إعداد قرار وزاري يهدف إلى تسوية هذه الوضعية، قبل أن يوقعه الوزير الوصي ويحيله إلى وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة قصد إخضاعه للدراسة القانونية. وبعد استكمال هذه المرحلة من دون تسجيل أي اعتراض قانوني، أُحيل الملف إلى وزارة الاقتصاد والمالية لاستكمال المسطرة المرتبطة بالتأشير المالي.

غير أن هذا المسار توقف، منذ مدة غير قصيرة، على مستوى وزارة الاقتصاد والمالية، من دون تقديم توضيح رسمي بشأن أسباب التأخر أو مآل الملف، رغم استكماله محطات مؤسساتية وقانونية أساسية. وهو وضع يثير استغراب الأطباء البياطرة الأساتذة الباحثين وقلقهم، خصوصا بعدما بدا أن الملف بلغ مراحله النهائية.
إن كون الملف يهم 28 أستاذا فقط في المغرب كله، يشكل معطى حاسم يفند أي تبرير مالي غير معلن للتعطيل. فالتسوية تشمل عددا محدودا من المستفيدين، بما لا يجعل أثرها المالي الإجمالي عبئا يهدد توازنات ميزانية الدولة. لذلك لا يمكن منطقيا جعل الكلفة ذريعة لتجميد الملف بعد موافقة الوزارة الوصية واجتياز الدراسة القانونية من دون اعتراض.

بل إن اجتياز القرار لهذه المراحل يؤكد وجاهة المطالب وقابليتها القانونية للتنفيذ، ويبرهن على أنها لا تتعلق بامتياز فئوي، بل بتصحيح اختلال نظامي قائم ورد الاعتبار إلى دكتور الطب البيطري الأستاذ الباحث، تقديرا لمساره العلمي ولمسؤولياته المهنية والوطنية. كما أن قيمة هذه الفئة لا تقاس بعدد أفرادها المحدود، بل بالأثر الاستراتيجي الواسع للمهام التي تؤديها لفائدة البلاد.
وفي مقابل أثر مالي محدود للغاية، يشكل الأطباء البياطرة الأساتذة الباحثون الهيئة الوحيدة المكلفة بتكوين الأطباء البياطرة في المغرب. ويتولون، إلى جانب التدريس، تأطير البحوث وأطروحات الدكتوراه، وتطوير المعرفة العلمية، والقيام بالأنشطة السريرية والاستشفائية والتدخلات الميدانية. كما يساهمون مباشرة في الوقاية من الأمراض الحيوانية والمشتركة بين الإنسان والحيوان، وحماية الصحة العامة، وتعزيز السلامة والأمن الغذائيين، ودعم استدامة تربية الماشية والتنمية القروية، فضلا عن تكوين الأطر التي تعتمد عليها البلاد في المراقبة الصحية والتصدي للأوبئة، في إطار مقاربة «صحة واحدة» التي تربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة.
ورغم هذه المسؤوليات، يزاول المعنيون مهامهم في ظروف تتضمن مخاطر بيولوجية وصحية حقيقية داخل المختبرات والمستشفيات البيطرية وأثناء التدخلات السريرية والميدانية. ومع ذلك، لا يستفيد هؤلاء الأساتذة الباحثون من التعويض عن المخاطر، ولا من التعويض عن التخصص، ولا من التعويضات المرتبطة بالأنشطة الاستشفائية والسريرية وشبه السريرية وما قبل السريرية، رغم طبيعة المهام التي يضطلعون بها وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
ولا يمس استمرار هذا الوضع بالإنصاف المهني وحده، بل يهدد أيضا جاذبية مسار التعليم والبحث البيطري وتجدد كفاءاته، خاصة مع التراجع الملحوظ في عدد الأساتذة الباحثين. وأي إضعاف لهذه الفئة المحدودة سيؤثر في جودة تكوين الأطباء البياطرة، وفي قدرة البحث العلمي الوطني على مواكبة حاجيات القطاع الفلاحي والتحديات الصحية والمناخية والبيئية المستقبلية.
وأمام استمرار هذا التعثر من دون تفسير رسمي، يطرح الأطباء البياطرة الأساتذة الباحثون سؤالا جوهريا: هل يتعلق الأمر بمجرد تأخر إداري أو مالي، أم أن هذا الملف أصبح ضحية تجاذبات سياسية بين جهات أو مكونات حكومية مختلفة؟
ومن هذا المنطلق، يطالب الأطباء البياطرة الأساتذة الباحثون وزارة الاقتصاد والمالية بتعجيل استكمال دراسة الملف والإفراج عن القرار. كما يدعون مختلف الجهات الحكومية المعنية إلى تحمل مسؤوليتها في ضمان استمرارية المسطرة، بعيدا عن أي اعتبارات لا ترتبط بالاستحقاق القانوني والمهني للمطلب.
إن الكلفة المحدودة لتسوية وضعية 28 أستاذا لا تقارن بالعائد الوطني الذي تحققه هذه الكفاءات في مجالات التكوين والبحث والصحة الحيوانية والصحة العامة والأمن الغذائي. وتمكينهم من الاعتراف الذي يستحقونه هو رد اعتبار لمهنة الطبيب البيطري الأستاذ الباحث، ورسالة ثقة إلى الكفاءات الحالية والأجيال المقبلة، وخيار استراتيجي يخدم الأمن الصحي والغذائي والسيادة العلمية للمغرب. ولذلك، لم يعد مفهوما أن يظل هذا الملف معلقا بعد أن استوفى أهم مراحله القانونية والمؤسساتية
التعليقات