الأحد، 30 أغسطس 2026
الرأي

البام والعدالة والتنمية في حكومة واحدة.. هل تكون نهاية التقاطب السياسي في المغرب

البام والعدالة والتنمية في حكومة واحدة.. هل تكون نهاية التقاطب السياسي في المغرب

بقلم/ خليل الكطابي 

في السياسة، لا شيء يبقى ثابتًا إلى الأبد. خصوم الأمس قد يصبحون حلفاء الغد، وما كان يُنظر إليه في مرحلة ما باعتباره تناقضًا يستحيل تجاوزه، قد يتحول مع مرور الوقت إلى مجرد خلاف سياسي قابل للنقاش والتفاوض.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يعود سؤال التحالفات إلى واجهة المشهد السياسي المغربي، لكن هذه المرة من زاوية أكثر إثارة: ماذا لو وجد حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية نفسيهما داخل الحكومة المقبلة؟

السؤال ليس تنبؤًا بنتيجة الانتخابات، ولا يعني أن تحالفًا بين الحزبين أصبح أمرًا محسومًا، وإنما يفتح نقاشًا حول معنى هذا الاحتمال، خصوصًا أن الحزبين كانا لسنوات عنوانًا لواحد من أبرز أوجه التقاطب السياسي في المغرب.

من الخصومة إلى الحوار

لم تكن العلاقة بين «البام» و«البيجيدي» دائمًا علاقة عادية بين حزبين يتنافسان على أصوات الناخبين. فقد طبعتها في مرحلة سابقة مواجهة سياسية حادة، قبل أن تبدأ ملامح جديدة في الظهور.

وفي يوليوز 2021، عقدت قيادتا الحزبين لقاءً تشاوريًا مشتركًا، وأكد بلاغ مشترك أن الاجتماع كان مناسبة لتبادل الرأي والتشاور حول المستجدات الوطنية.

ولم يتوقف الأمر عند حدود اللقاء. فقد أعلن الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة آنذاك، عبد اللطيف وهبي، أن حزبه لا يرى مانعًا في التحالف مع العدالة والتنمية، مؤكدًا أن العلاقة بين الطرفين تغيرت مقارنة بالماضي.

وفي المقابل، كان سعد الدين العثماني أكثر حذرًا في توصيف ذلك التقارب، موضحًا أن اللقاء لم يكن إعلانًا عن تحالف، وأن الحديث عن التحالفات كان سابقًا لأوانه.

لكن مجرد انتقال العلاقة من منطق المواجهة إلى منطق الحوار كان في حد ذاته إشارة سياسية مهمة.

ماذا لو جلس الخصمان إلى الطاولة نفسها؟

هنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها.

إذا أفرزت انتخابات 2026 خريطة سياسية تسمح بتشكيل حكومة تضم «البام» و«العدالة والتنمية»، فلن يكون الأمر مجرد توزيع للحقائب الوزارية بين حزبين. سيكون أمام الرأي العام مشهد سياسي يحمل دلالة رمزية أكبر: خصمان ارتبط اسماهما بمرحلة من التقاطب أصبحا شريكين في تدبير الحكومة.

وقد يكون ذلك مؤشرًا على أن السياسة المغربية تتحرك تدريجيًا من مرحلة كانت فيها الخصومات الحزبية والهويات السياسية الحادة تحتل مساحة واسعة من النقاش، إلى مرحلة يصبح فيها البرنامج الحكومي والقدرة على تدبير الملفات الكبرى معيارًا أكثر أهمية في بناء التحالفات.

فالحزب الذي يختلف معك في المعارضة ليس بالضرورة حزبًا يستحيل التعاون معه في الحكومة. وفي الديمقراطيات، يمكن للاختلاف أن يستمر داخل المؤسسات، بينما يصبح الاتفاق على برنامج حكومي محدد أساسًا للتعاون.

نهاية التقاطب أم إعادة تشكيله؟

لكن القول إن دخول الحزبين إلى حكومة واحدة، إن حدث، سيعني نهاية التقاطب السياسي بشكل نهائي سيكون مبالغة.

فالاختلاف بين الأحزاب جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، والمطلوب ليس إنهاء الاختلاف، وإنما إنهاء تحويل الاختلاف إلى قطيعة دائمة.

وقد يكون التحول الحقيقي هو الانتقال من «نحن ضدهم» إلى «نختلف معهم في هذا الملف ونتفق معهم في ملف آخر».

وهذا ربما يكون أكثر نضجًا من السياسة التي تختزل المشهد في معسكرين متقابلين، بحيث يصبح الخصم السياسي عدوًا دائمًا، ويصبح التعاون معه تنازلًا أو خيانة للمواقف السابقة.

انتخابات 2026.. امتحان جديد للتحالفات

ومع اقتراب استحقاقات 23 شتنبر، لن يكون السؤال فقط: من سيحتل المرتبة الأولى؟

سيكون السؤال أيضًا: من يستطيع أن يشكل أغلبية قادرة على تنفيذ برنامج حكومي؟

فالنظام الانتخابي والنتائج التي ستفرزها صناديق الاقتراع هما اللذان سيحددان في النهاية موازين القوى، وبعدها ستبدأ الحسابات السياسية المرتبطة بتشكيل الأغلبية. لذلك فإن الحديث عن حكومة تضم «البام» و«العدالة والتنمية» يجب أن يبقى في إطار السيناريو السياسي، لا الخبر المؤكد.

لكن قيمة هذا السيناريو لا تتوقف على إمكانية تحققه.

فحتى مجرد طرحه يكشف حجم التحول الذي عرفته العلاقة بين الحزبين خلال السنوات الماضية.

السياسة لا تحفظ الخصومات إلى الأبد

ربما تكون المفارقة الأكبر أن ما كان يبدو في مرحلة ما صراعًا سياسيًا عميقًا يمكن أن يتحول، بعد سنوات، إلى مجرد صفحة من تاريخ التنافس الحزبي.

ومن هنا، فإن اجتماع «البام» و«العدالة والتنمية» في حكومة واحدة، إذا حدث، قد يكون أكثر من مجرد تحالف ظرفي. قد يكون إعلانًا عن نهاية مرحلة من التقاطب، أو على الأقل عن نهاية الشكل القديم منه.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في صورة الوزراء وهم يجلسون حول طاولة الحكومة، وإنما في قدرتهم على تحويل هذا التقارب إلى تعاون سياسي مسؤول، مع الاحتفاظ بحق كل حزب في الاختلاف والنقد والمساءلة.

فهل يكون اجتماع خصمين سياسيين بالأمس داخل حكومة واحدة، إن تحقق، نهايةً للتقاطب الذي طبع جزءًا من المشهد الحزبي المغربي؟ أم أن التقاطب لن ينتهي، وإنما سيبحث لنفسه عن شكل جديد؟

ربما تكون صناديق اقتراع 23 شتنبر هي التي ستبدأ في تقديم الجواب.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً