الهجرة الجماعية من سواحل الشمال أزمة ثقة في المستقبل قبل أن تكون أزمة حدود
هوسبريس -عادل بنونة
تكشف مشاهد اندفاع مئات، من الشباب والفتيات نحو مياه البحر انطلاقًا من سواحل الفنيدق والمضيق وتطوان، أن المغرب لا يواجه فقط تحديًا مرتبطًا بالهجرة غير النظامية، بل يقف أمام سؤال اجتماعي عميق يفرض نفسه بإلحاح: لماذا أصبح عدد من الشباب يرى في ركوب أمواج البحر، بكل ما تحمله من مخاطر، خيارًا أقرب إلى تحقيق الحلم من انتظار فرصة داخل وطنه؟
لم تعد هذه المشاهد مجرد أحداث موسمية تتكرر بين الفينة والأخرى، بل أصبحت تعكس حالة من القلق المتنامي لدى فئات واسعة من الشباب، الذين يجدون أنفسهم أمام واقع لا يواكب طموحاتهم، رغم ما تشهده البلاد من أوراش تنموية وإصلاحات اقتصادية. فحين يقرر شاب أن يغامر بحياته في عرض البحر، وهو مدرك أن الغرق أو الاعتقال احتمالان واردان، فإن الرسالة التي يبعث بها تتجاوز الرغبة في الهجرة، لتكشف حجم الإحساس بانسداد الأفق.
ولا يمكن إنكار الجهود الكبيرة التي تبذلها السلطات الأمنية في إحباط محاولات الهجرة وإنقاذ الأرواح، وهي جهود تستحق التقدير لما تحققه من حماية للأرواح وحفظ للنظام العام. غير أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت نجاعتها، تظل غير كافية لمعالجة جذور الظاهرة، لأن الهجرة غير النظامية ليست قضية حدود فقط، بل ترتبط أيضًا بالتشغيل، والتعليم، والعدالة المجالية، والإحساس بوجود مستقبل يمكن بناؤه داخل الوطن.
ويؤكد التقرير السنوي لوالي بنك المغرب استمرار تحديات بنيوية، من بينها ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، واستمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية. وهي مؤشرات تعكس أن ثمار النمو الاقتصادي لم تصل بعد، بالقدر الكافي، إلى فئات واسعة من المواطنين، وأن جزءًا من الشباب ما زال ينتظر فرصة تتيح له بناء مشروع حياة كريم داخل بلده.
وفي مدن الشمال، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحًا. فمنذ إغلاق معبر باب سبتة، دخلت المنطقة مرحلة اقتصادية مختلفة فرضت إعادة ترتيب أولوياتها التنموية. ورغم إطلاق منطقة الأنشطة الاقتصادية بالفنيدق كبديل اقتصادي مهم، واستقطابها لعدد من المستثمرين والمقاولات، فإنها لم تتمكن، إلى حدود اليوم، من استيعاب جميع التحولات التي عرفتها المنطقة، ولا من توفير فرص الشغل الكافية لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الشباب الباحثين عن عمل، وهو ما يجعل الحاجة قائمة إلى تسريع وتيرة الاستثمار المنتج وتوسيع قاعدة التشغيل.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تعود الوعود والبرامج الانتخابية إلى واجهة النقاش العمومي. غير أن شريحة من الشباب تبدو اليوم أقل حماسًا للخطابات السياسية، بعدما أصبحت تفضل قياس النتائج بما يتحقق على أرض الواقع أكثر مما يُعلن في المنابر والتجمعات. فبالنسبة إلى كثيرين، لم يعد الرهان على قوة الخطاب، بل على قدرة السياسات العمومية على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية.
إن التحدي الحقيقي الذي ينتظر الحكومة المقبلة لن يكون في تقديم شعارات جديدة أو إطلاق حملات تواصلية أكثر جاذبية، بل في بناء سياسات تجعل التشغيل أولوية وطنية، وتربط الاستثمار بإحداث فرص عمل مستدامة، وتعيد الاعتبار لمنظومة التعليم والتكوين، وتوفر للشباب أسباب البقاء داخل وطنهم بدل التفكير في مغادرته.
كما أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تبقى مسؤولية الدولة وحدها، بل تقتضي انخراطًا جماعيًا للأحزاب السياسية، والقطاع الخاص، والجامعات، والنقابات، والجماعات الترابية، والمجتمع المدني، من أجل بلورة رؤية وطنية تعيد الثقة إلى الشباب، وتمنحه الإحساس بأنه شريك في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرج عليه.
إن الأوطان لا تخسر فقط أبناءها الذين يغادرونها، بل تخسر أيضًا جزءًا من رصيدها المعنوي عندما يشعر شبابها بأن تحقيق أحلامهم أصبح أقرب خارج الحدود منه داخلها. لذلك، فإن الرهان اليوم لا يتمثل فقط في الحد من الهجرة غير النظامية، بل في إعادة بناء الثقة، وتحويل الأمل إلى واقع ملموس، حتى يصبح النجاح داخل المغرب هو الخيار الأول، لا البديل الأخير.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع: كيف يمكن إقناع شاب بالمراهنة على مستقبله داخل وطنه، إذا كان يعتقد أن الطريق إلى الضفة الأخرى أقصر من الطريق إلى فرصة عمل تحفظ كرامته؟ إنه سؤال لا ينتظر جوابًا في موسم انتخابي فقط، بل يحتاج إلى سياسات جريئة، ونتائج ملموسة، تعيد للشباب الثقة في أن المستقبل يمكن أن يبدأ من هنا، لا من وراء البحر.
التعليقات