عادل بنونة: عندما تتفق المؤسسات الدستورية… تكون الرسالة أكبر من مجرد تقارير
هوسبريس-عادل بنونة
لم يكن تزامن صدور تقارير بنك المغرب، ومؤسسة وسيط المملكة، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حدثاً عادياً أو مجرد مصادفة زمنية، بل شكل لحظة سياسية ومؤسساتية تستحق التوقف عندها. فمن النادر أن تتقاطع ثلاث مؤسسات دستورية مستقلة، تختلف اختصاصاتها ومرجعياتها، في تشخيص واحد يكاد يكون متطابقاً لواقع السياسات العمومية بالمغرب.
إنه تقاطع يبعث برسالة واضحة: الاختلالات لم تعد قطاعية أو ظرفية، بل أصبحت بنيوية، وتمس جوهر الحكامة العمومية ونجاعة تدبير الشأن العام.
بعد خمس سنوات من حكومة عزيز أخنوش، التي اشتغلت في ظل أكبر ميزانيات عرفها المغرب، واستثمارات عمومية غير مسبوقة، وإطلاق أوراش اجتماعية كبرى، كان المنتظر أن تنعكس هذه الإمكانيات على حياة المواطنين بشكل أكثر وضوحاً. غير أن التقارير الدستورية الثلاثة جاءت لتؤكد أن حجم الإنفاق لم يواكبه الأثر المنتظر، وأن الفجوة ما تزال قائمة بين ما تخطط له الدولة وما يعيشه المواطن يومياً.

لقد تحدث بنك المغرب بلغة الاقتصاد، فتوقف عند استمرار البطالة في حدود 13 في المائة، رغم تسجيل معدل نمو يقارب 4.9 في المائة، وهو ما يكشف أن الاقتصاد الوطني ما يزال عاجزاً عن تحويل النمو إلى فرص شغل كافية، خصوصاً لفائدة الشباب وحاملي الشهادات. وهي مفارقة تؤكد أن النمو، عندما لا ينعكس على التشغيل والدخل والقدرة الشرائية، يفقد جزءاً كبيراً من قيمته الاجتماعية.

أما المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، فقد قدم بدوره تشخيصاً لا يقل أهمية، عندما أكد أن إصلاح المدرسة المغربية ما يزال يسير بوتيرة أبطأ من التحولات التي يعرفها المجتمع والعالم، وأن إصلاح المناهج والبرامج، باعتباره قلب الإصلاح، لم يحقق بعد النتائج المأمولة، رغم مرور سنوات على اعتماد الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار، ورغم إطلاق مشاريع كبرى مثل “مدارس الريادة”.

وفي الاتجاه نفسه، أعادت مؤسسة وسيط المملكة التأكيد على أن الإدارة العمومية ما تزال تعاني من بطء الإنجاز، وتعثر تنفيذ القرارات، واستمرار ممارسات تؤثر على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، بما يعكس أن ورش إصلاح الإدارة لم يبلغ بعد المستوى الذي يطمح إليه المغاربة.
وعندما نجمع خلاصات هذه التقارير، فإننا نصل إلى نتيجة يصعب تجاهلها: الأزمة لم تعد أزمة إمكانيات مالية، بل أصبحت أزمة حكامة، ونجاعة، وتنفيذ، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة.
لقد وفرت الدولة الموارد، لكن النتائج ظلت دون مستوى التطلعات. ارتفع الاستثمار العمومي، لكن البطالة بقيت مرتفعة. تضاعفت ميزانيات التعليم، لكن المدرسة لم تستعد بعد قدرتها على صناعة رأسمال بشري مؤهل. وتوسعت برامج الحماية الاجتماعية، غير أن غلاء المعيشة واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية ما زالا يثقلان كاهل ملايين الأسر المغربية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي سيطبع النقاش العمومي خلال المرحلة المقبلة: هل نجحت الحكومة في تحويل الإمكانيات الضخمة التي وفرتها الدولة إلى نتائج يشعر بها المواطن؟
إن تقييم التجارب الحكومية لا يقاس بحجم الاعتمادات المالية، ولا بعدد الاتفاقيات الموقعة، ولا بكثرة المشاريع المعلن عنها، وإنما يقاس بالأثر الحقيقي على التشغيل، والتعليم، والصحة، والإدارة، والقدرة الشرائية، وجودة الحياة.
واليوم، ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تبدو هذه التقارير وكأنها خارطة طريق للحكومة المقبلة، أكثر منها مجرد تقارير سنوية. فهي تدعو إلى مراجعة عميقة لنمط تدبير السياسات العمومية، والانتقال من منطق تدبير الوسائل إلى منطق قياس النتائج.
ولا يمكن لأي حكومة مقبلة أن تنجح دون أن تجعل التشغيل أولوية وطنية، عبر تشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وربط منظومة التربية والتكوين بحاجيات الاقتصاد الوطني، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على خلق الثروة وفرص الشغل المستدامة.
كما أن إصلاح المدرسة المغربية لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل، لأن بناء الإنسان هو أساس كل مشروع تنموي، ولا تنمية حقيقية بدون تعليم جيد، ولا اقتصاد تنافسي بدون رأسمال بشري مؤهل.
وبالموازاة مع ذلك، يظل إصلاح الإدارة العمومية شرطاً أساسياً لنجاح أي سياسة عمومية، من خلال ترسيخ ثقافة النجاعة، وتبسيط المساطر، وتسريع تنفيذ القرارات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى تستعيد الإدارة ثقة المواطن وتتحول إلى شريك في التنمية بدل أن تكون عائقاً أمامها.
لقد قامت المؤسسات الدستورية بواجبها كاملاً، وشخصت الأعطاب بكل موضوعية ومسؤولية. ويبقى الرهان اليوم على الفاعل السياسي، حتى يحول هذا التشخيص إلى قرارات وإصلاحات ملموسة.
وفي هذا السياق، يبرز مضمون الخطب الملكية، التي ما فتئت تؤكد أن نجاح الأوراش الكبرى لا يقاس بحجم الأموال المرصودة، وإنما بوقعها الحقيقي على حياة المواطنين، وبمدى قدرتها على تعزيز الكرامة، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمغرب لا يحتاج اليوم إلى تشخيص جديد بقدر ما يحتاج إلى جرأة في اتخاذ القرار، ونجاعة في التنفيذ، وصدق في تقييم النتائج.
أما حكومة 2026، فلن يكون أمامها ترف إضاعة الوقت، لأن انتظارات المغاربة أصبحت أكبر، والتحديات أكثر تعقيداً، والحكم الحقيقي لن يصدره الخطاب السياسي، بل سيصدره المواطن من خلال ما يلمسه في حياته اليومية.
ذلك هو التحدي الحقيقي… وذلك هو الامتحان الذي سيحدد من يستحق ثقة المغاربة في المرحلة المقبلة.
التعليقات