الوجوه المكررة في البرلمان: أزمة تجديد أم حسابات انتخابية؟
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يطفو إلى السطح من جديد جدل قديم متجدد داخل المشهد الحزبي، يتمثل في هيمنة ما يُوصف بـ“الأسماء الجاهزة” على حساب الوجوه الشابة التي تراهن على التجديد السياسي وإعادة ضخ دماء جديدة في المؤسسات المنتخبة.
فعلى الرغم من الخطابات المتكررة التي ترفعها الأحزاب بشأن تشجيع الشباب وتمكينهم من مواقع القرار، تكشف الممارسة الانتخابية عن واقع مختلف، حيث تميل العديد من التنظيمات السياسية إلى إعادة ترشيح نفس الوجوه التي راكمت حضورا انتخابيا أو تمتلك رصيدا تنظيميا وماليا أو شبكة نفوذ محلية راسخة.
هذا الخيار، وإن كان يُبرَّر أحيانا بمنطق “النجاعة الانتخابية” وضمان النتائج، إلا أنه يطرح تساؤلات عميقة حول حدود التجديد داخل البنية الحزبية.
في المقابل، يجد عدد من الشباب المنتمين للأحزاب أنفسهم في موقع هامشي داخل عملية صنع القرار الانتخابي، حيث يتم الدفع بهم إلى الصفوف الخلفية أو إلى دوائر غير تنافسية، في ما يشبه “إعادة إنتاج النخبة السياسية” بدل توسيع قاعدة المشاركة.
هذا التوجه يعكس، وفق قراءات تحليلية، مفارقة بنيوية في العمل الحزبي: فالأحزاب تطالب بإصلاحات سياسية وتوسيع المشاركة، لكنها في الوقت ذاته تعيد إنتاج نفس النخب التي تحكمت في المشهد لسنوات.
كما أن هاجس النتائج الانتخابية يظل عاملا حاسما في توجيه اختيارات الترشيح، ما يدفع بعض القيادات إلى تفضيل “الأسماء المضمونة” على حساب تجارب جديدة غير مضمونة النتائج.
لكن هذا الخيار لا يخلو من كلفة سياسية على المدى المتوسط، إذ يؤدي إلى تآكل الثقة لدى فئة الشباب، ويعمّق الشعور بالمسافة بين الخطاب السياسي والواقع التنظيمي.
كما يحدّ من قدرة الأحزاب على تجديد أفكارها وبرامجها، في سياق يعرف تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة تتطلب نخبا أكثر تنوعا ومرونة.
وبين منطق الاستمرارية ومنطق التجديد، يبدو أن الأحزاب تجد نفسها أمام اختبار حقيقي: إما إعادة إنتاج نفس الوجوه مع ما يرافق ذلك من استقرار انتخابي نسبي، أو فتح المجال أمام جيل جديد قادر على إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية على المدى الطويل.


اترك تعليقاً