تطوان: أنقاض تروي حكاية إهمال وفاجعة.

بقلم: يوسف خليل السباعي_ الرأي
حين يموت طفلان تحت أنقاض منزل في المدينة العتيقة ( القديمة) لتطوان ( الحمامة البيضاء) ، فإن المأساة لا تكون مجرد “حادث”، وإنها تصبح سؤالا أخلاقيا وسياسيا موجعا:من كان يعلم؟ ومن كان يجب أن يتدخل؟ ولماذا لم يحدث ذلك في الوقت المناسب؟
إن زيارة المهدي بنسعيد وزير الشباب والثقافة والتواصل، في الحكومة المغربية، التي يقودها عزيز أخنوش، إلى تطوان، في هذا التوقيت تحديدا، وإلقاء كلمته في حفل افتتاح أنشطة ” تطوان عاصمة متوسطية للثقافة والحوار” تضعنا أمام مفارقة قاسية، فنحن نتحدث عن مدينة عتيقة مصنفة تراثا إنسانيا،تحتاج إلى العناية والصيانة، لكننا في الواقع نشيع ضحاياها بدل أن نحميهم.
في حقيقة الأمر، إن الوزارة في قطاعها الثقافي لها دور في حماية هذا التراث، نعم، لكن أي معنى لحماية الحجر إذا كان الإنسان الذي يسكنه يترك لمصيره؟ أما على مستوى التدبير الترابي، فإن المسؤولية تصبح أكثر وضوحا وحدة. ذلك أن عامل إقليم تطوان عبد الرزاق المنصوري، الذي وقف اليوم على وقائع ماجرى شخصيا، ليس مجرد اسم في الهيكلة الإدارية، بل هو المسؤول الأول عن سلامة المواطنين، عن تتبع البنايات الآيلة للسقوط، وعن اتخاذ قرارات الإفراغ حين يكون الخطر محدقا. هنا لا نتحدث عن سياسات بعيدة، لكن الأمر يتعلق بقرارات كان يمكن أن تنقذ أرواحا.
وفي قلب تطوان ( الحمامة البيضاء) والعتيقة ( القديمة) حيث تتقاطع الحياة اليومية مع هشاشة العمران، تقف جماعة تطوان بدورها أمام مرآة المساءلة. إن مصطفى البكوري رئيس جماعة تطوان ومجلسه ومن التحق به مطالبون بأكثر من مجرد تدبير إداري روتيني، إذ أن المطلوب هو استباق الكارثة لا انتظارها والتصحيح بكلمات عابرة. فالبنايات الآيلة للسقوط ليست سرا، وإنما هي توجد في ملف معروف مؤجل ومثقل بالتقارير التي لا تتحول إلى أفعال. أما المصالح الخارجية، من وكالة حضرية وقطاع الإسكان، فهي تنتج المعرفة التقنية، إذ تحصي، تصنف، تحرر، لكن المأساة كشفت، وتكشف حاليا خللا أخطر، وهو أن المعرفة لا تساوي الحماية إذا لم ترتجم إلى تدخل فعلي.
الحقيقة أن التقارير تبقى في الرفوف، ثم، تتحول، مع الوقت، إلى وثائق إدانة صامتة. كما أن الحقيقة المؤلمة أن الطفلين اللذين انتشلا من تحت الأنقاض لم يكونا ضحيتين لحجارة فقط، وإنما ضحيتين لسلسلة من التأجيلات والتردد وتوزيع المسؤوليات حتى تضيع.
في مثل هذه اللحظات، وفي ما جرى فجائيا، لا يكفي أن نبحث عن “من المسؤول؟” ولكن، يجب أن نواجه سؤالا أكثر قسوة: لماذا ننتظر دائمًا أن تقع الفاجعة لنتحرك؟
إن تطوان اليوم لا تحتاج إلى تعاطف عابر، وإنما إلى قرار حاسم يتعلق خصيصا بحماية الإنسان قبل الواجهة والحياة قبل التراث والفعل قبل الكلام. ذلك لأن بعض منازل المدن العتيقة ( القديمة) أو أجزاء منها لا تنهار فجأة، وإنما تنهار حين نتركها تسقط ببطء ونحن نراقب.


اترك تعليقاً