بين دويّ السبع طلقات وصمت “الزواكة”.. رمضان الجديدة يفتقد أحد أعمدة ذاكرته الجماعية.

هوسبريس_سفيان الموطياف
مع إطلالة هلال الشهر الفضيل، وفي الوقت الذي كانت فيه عيون “الجديديين” تشخص نحو السماء ترقباً، امتزجت في هواء المدينة رائحة البحر بصوت التاريخ، لكن ثمة غصة تسللت إلى الذاكرة الجماعية هذا العام؛ فقد سكتت “الزواكة” التي طالما كان صياحها المبحوح هو “كلمة السر” التي تفتح أبواب رمضان في بيوت الجديدة، تاركةً وراء صمتها المريب تساؤلاتٍ معلقة لم تجد لها جواباً رسمياً حتى الساعة. لطالما اعتبرت هذه “الزواكة” أكثر من مجرد صفارة إنذار؛ إنها “خيط الروح” الذي يربط القاطنين في “درب بن ادريس” و”القلعة” بأجدادهم، وموروث لا مادي يشبه هواء المدينة في تميزه، واختفاؤه المفاجئ هذا الموسم بَتَر جزءاً حيوياً من طقوس الاستقبال، وكأن المدينة أضاعت “شيفرة” الفرح التي تعودت عليها منذ عقود.

في المقابل، لم تستسلم المدينة لليتم التراثي بالكامل؛ فقد أنقذ “مدفع رمضان” الموقف من فوق رمال الشاطئ، في مشهد مهيب دوت فيه سبع طلقات تقليدية، هز صدى دويها جدران الأسوار العتيقة معلنةً بقدسيةٍ معهودة بداية الشهر الكريم. سبع صرخات من فوهة المدفع، استحضرت معها وجوه الأقدمين ومنحت الساكنة جرعة من الحنين الذي يحتاجونه لترميم ذاكرتهم الجماعية المخدوشة بغياب ذلك الصوت المألوف. إننا ونحن نخط هذه الكلمات بحبر الغيرة على تراث هذه الحاضرة، نرى أن الحفاظ على طقوس مثل “الزواكة” ليس ترفاً، بل هو صيانة للهوية، فالتراث اللامادي هو “القلب النابض” للمدن، وأي صمت يطال عناصره هو بمثابة نسيانٍ متعمد للجذور. وبين دويٍّ أحيى الشاطئ وصمتٍ أطبق على سماء المدينة، تبقى ساكنة الجديدة متشبثة بذاكرتها، تترقب عودة “أجراسها” الروحية المكتملة، آملة أن لا تضحي الحداثة بصوتٍ كان، لسنوات طويلة، هو الذي يخبرنا بيقين أن “رمضان مبارك”.



اترك تعليقاً