الرئيسية / الرأي / حزب العدالة والتنمية

حزب العدالة والتنمية

أمينة ماء العينين

هذا الحزب الكبير والمتميز بمساره وتنظيمه وخصوصيته، لا يضيره اليوم أن يجري نقدا ذاتيا حقيقيا وهو يعيش مخاضا وإن كان مؤلما وطبيعيا لمن يمتلك أدوات التحليل الموضوعي، فإنه في نفس الوقت يظل مفيدا لو عرف كيف يستثمره في اتجاه البناء والتصحيح والتصويب.

لابد من التذكير أن ثقافة الحركات الاسلامية في عمومها لا تتسامح كثيرا من النقد الذاتي، وتعتبر المختلف من داخلها خارجا عن الجماعة وجانحا نحو التنازع الذي يقود الى الفشل و”ذهاب الريح”. هذا المنطق بدأ يتغير ولو ببطء،  بالنظر الى التحولات التي تقودها وسائل التواصل الاجتماعي وآليات التواصل الجديد المتسمة بالهيمنة والقوة والقدرة على الاجتياح وكسر الأنماط التقليدية التي كانت تتحكم في التواصل وتوجهه من طرف كل أشكال السلط، داخل الدول والأنظمة السياسية والأحزاب والتتنظيمات لصناعة الرأي العام الذي تريد.

ولذلك لابد من الحسم في القبول نظريا أن حزب العدالة والتنمية كغيره من الأحزاب يعيش مرحلة انتقال بين جيلين، وأن بوادر صعوبة الانتقال بدأت تظهر إن لم يتم ضخ ما يستلزمه الأمر من السلاسة والتفهم والقدرة على التحليل والاستشراف.

حزب العدالة والتنمية يعيش بوادر ولادة جديدة تبدو قسرية، وما يضفي عليها طابع الصعوبة والتعقيد هو هذا الانحسار المخيف للنقاش النظري المؤطر لتحولات جارفة لا يصنعها الحزب ولا قبل له بالتحكم فيها، منذ أن خاض تجربة تدبير الشأن العام والشأن الترابي لمدة عشر سنوات، علما أن خصوصية هذا التدبير ومرجعيته لا تستوعبها دائما خلفية الحزب النظرية التقليدية.

يحتاج حزب العدالة والتنمية اليوم الى نقاش واسع وعميق بدون عقد أو مركب نقص أو استحضار لنظرية المؤامرة أو توجس من الخصوم والمتربصين وهم متعددون بلا شك.

يحتاح الحزب اليوم الى جرأة كبيرة في التقييم والنقاش والتجديد الفكري والنظري، والتخلص من عقدة الخوف من قلق السؤال وحيرة الفكر لدى أبنائه وشبابه، لأنه حزب قام على فكرة، والفكرة لا تخشى السؤال والنقد، ولا تقاوم التغيير والمراجعة، كما لا تتعايش مع الضبط أو الاحتواء بدون إقناع.

يحتاج الحزب اليوم إلى تجاوز منطق إطفاء الحرائق والنقاش المجتزأ تحت ضغط الوقائع والأحداث، لأنه سيظل حبيسا لمنطق التبرير أو منطق الهجوم والرفض العاطفي، أما إن استحضرنا تأطير النقاش بهواجس التنظيم، فسنسقط حتما في المزايدة وتصفية الحسابات الشخصية أو التنظيمية، وهو ما لن يساعد على تجاوز الأزمة بقدر ما يسهم في تكريسها بتعميق الاحتقان الفكري وتأجيل الانفجار وتجلياته المختلفة.

هل أجرى الحزب تقييما حقيقيا وصريحا لتجربة عشر سنوات من المساهمة في الحكم من موقع رئاسة الحكومة وتصدر البرلمان وتسيير الجماعات بأغلبيات غير مسبوقة في التاريخ الانتخابي للمغرب؟ هل يعرف الحزب إلى أين يتوجه اليوم وماهي أطروحته المؤطرة لوجوده السياسي في المرحلة المقبلة التي تدل كل المؤشرات عل أنها مرحلة ليست باليسيرة؟ هل حاول الحزب التخلص من تأثُّر نقاشه الداخلي بالهجومات الخارجية التي تستدرجه لاستنزاف الطاقة في مواجهتها والرد عليها، بدل الانكباب على نقاش داخلي حقيقي وعميق بدون سقف وبدون خطوط حمراء؟

للأسف لم يحدث ذلك، والواقع أننا جميعا مسؤولون تجاهه نحن أبناء الحزب كل من موقعه.

يجب أن نعترف أن ما عطَّل نقاشنا الداخلي وجعله سطحيا في المرحلة الأولى هو نشوتنا بانتصارات انتخابية تبين أنها كانت أكبر من حجمنا وسابقة على استعداد بنيتنا الفتية سياسيا وفكريا، وهي البنية القادمة من مجال “الدعوة” السائد داخل الحركة الاسلامية. أما ما عطل نفس النقاش المؤجل في المرحلة الثانية، فهو الخلاف السياسي والتنظيمي القوي الذي انطلق مع إعفاء ذ.بنكيران، والذي لم يستطع الحزب تجاوزه، فأصبح هاجسا مؤطرا لكل نقاش أو تساؤل أو نقد،  فتحول عمليا إلى عقدة صار لزاما التخلص منها للاستمرار.

تعليقات الزوّار