مشهد واحد وخواتيم مختلفة

مصطفى السباعي

مصطفى السباعي

الخاتمة رقم 3

شارع الحسن الثاني بالرباط.. شارع يعج بالعابرين والمتسكعين على أرصفة المقاهي.. باعة جوالين.. متسولون ومتسولات.. عسس وحراس عند كل خطوة.. أعبر منشغلا ككل العابرين، غارقا في ذاتي، لا ألوي على شيء.

فجأة، ورغم انغلاق أذني عما يروج ويموج من أصوات حولي، ينتزعني صوت قهقهة امرأة شابة تلاعب طفلا ذي خمس سنوات أو ما يقارب زيادة ونقصانا، وكان هذا تقديري لعمره. انتبهت، فرأيت الطفل يتبختر وهو يردد على مسامع مرافقته، أمه، أخته، قريبته، جارته، مُستعيرته، لا أدري ولا أجزم، “انتِ شمكارة… انتِ بنت الحرام… والشابة تقهقه، وكأني بها تُشجعه على تَنطُّعه، وقد رفعته بقهقهاتها إلى درجة الرشد والرجولة والفحولة.. رجلا ليس ككل الرجال… واصل الطفل شتائمه وسبابه ونعوته القدحية، إلى أن قال: انتِ قـ…ـة” فانفجرت الشابة بقهقهة عالية أثارت المتسكعين على رصيف المقهى المنشغلين بالخبش على شاشات هواتفهم الذكية… تبادلوا النظرات، وكان لكل نظرة معناها الذي لا تخطؤه العين…

مر هذا المشهد أمامي وعلى مسامعي في دقائق معدودات، سرعان ما انزويت بعدها في نفسي أحلل وأناقش ما رأيت وسمعت…

فكرت في ما إذا كان المقعد الدراسي لهذا الطفل شاغرا، أم أنه غير موجود أصلا، وماذا لو كان هذا الطفل في المدرسة في تلك اللحظة، هل كان سيتفوه بالعبارات نفسها؟ تساءلت عن الجدوى من وزارة كبيرة من حجم وزارة التربية الوطنية بأموالها وأطرها وموظفيها ومخططاتها ما دامت لا تستطع أن تؤمن مقعدا لهذا الطفل وأمثاله؟ كم يبلغ عدد الأطفال في مثل سنه المشردين في الشوارع والأزقة؟ كم حجم الأموال التي تكفي لتأمين مقاعد دراسية لهم؟ ما الجدوى مما يسمى الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التربوي 2015-2030، وقد أفردت مشروعا خاصا وصفته بالمندمج (المشروع 11) للارتقاء بالتعليم الأولي وتسريع وتيرة تعميمه بالنسبة للأطفال من فئة 4-5 سنوات؟ وقد ضيعنا سنوات من أعمار ضحايا المخططات الفاشلة وغير المنفذة من قبل.

حسب المجلس الأعلى للحسابات فقد حدد المخطط الاستعجالي نسبة توفير التعليم الأولي بالمدارس الابتدائية في 80٪ سنة 2012 في أفق تعميمه سنة 2015. ويستدرك “إلا أن هذا الهدف يبقى بعيد المنال، ففي الموسم الدراسي2016/2017، 24 ٪ فقط من أصل 7667 مدرسة ابتدائية تتوفر على التعليم الأولي”. فها قد أهدرنا ثماني سنوات من الوقت والجهد والمال، ومن عمر أطفال تلك المرحلة الذين بقوا خارج المدرسة، ولا شك أن من يتحمل هذه المسؤولية يتحمل مسؤولية تشرد وانحراف عشرات الآلاف من الأطفال، وتكليف المجتمع أكثر لأجل إعادة إدماجهم، هذا إذا تبقى في شخصياتهم ما هو قابل للإدماج.

ما الجدوى من كثرة التصريحات والندوات واللقاءات التي تنظم مركزيا وجهويا ومحليا والتي يتبارى المشاركون فيها في تدبيج المداخلات وجرد الأرقام والاحصائيات عن “منجزات” الحكومة والوزارة المعنية في مجال تعميم التعليم ؟؟ فكرت في أن الأموال التي تصرف على هذه الندوات واللقاءات قد تكون، لو تم صرفها على المشروع رأسا، لما بقي هذا الطفل وأمثاله في الشوارع ‘قنابل موقوتة’ قد تنفجر فينا بعد حين. وذهب بي تداعي الأفكار إلى محاولة احتساب المال والجهد والوقت الذي نبذله كمجتمع لمحو آثار هذا التخلي وإعادة إدماج هذه الفئة بين أحضاننا. لحظتها تبادرت إلى ذهني قولة بنجامين فرانكلين: الشيء الوحيد الأكثر كلفة من التعليم هو الجهل. ونحن لا نزال متعثرين في مسألة الكم فقط أي التعميم، أي توفير البنيات التحتية، الحجرات والمقاعد والطبشور والموارد البشرية، وأما الجودة فمسألة أخرى.

ومن الناحية المالية فقد بلغت الإعتمادات النهائية المرصودة للمصالح المركزية للوزارة، بوضع سطر تحت أو فوق المصالح المركزية، حسب المصدر نفسه،  خلال الفترة من 2009 إلى 2012، ما مجموعه 6.251.154.696 درهم في بند “المعدات والنفقات المختلفة” (دون احتساب نفقات الموظفين)، وبالرغم من ذلك لم يشمل هذا المبلغ ثمن مقعد دراسي !، و6.463.764.776 درهم برسم بند “الاستثمار”، ولم يشمل المبلغ الاستثمار في هذه الفئة بكل مسؤولية وشجاعة. ومادام المكلف بتوفير المقاعد الدراسية لأطفال المغاربة جميعا ليس في مستوى المسؤولية ولا يتحلى بالشجاعة المطلوبة، فربما يكون الحل في مواجهة الأنانية التي تسكننا، ولنجرب  تعليم الكرم والإيثار علَّهما يساعداننا على الانتباه إلى هذه الفئة بعين إنسانية.

وحتى ذلك الحين…

اترك تعليقاً