مشهد واحد وخواتيم مختلفة

مصطفى السباعي

مصطفى السباعي

الخاتمة رقم 1

شارع الحسن الثاني بالرباط.. شارع يعج بالعابرين والمتسكعين على أرصفة المقاهي.. باعة جوالين.. متسولون ومتسولات.. عسس وحراس عند كل خطوة.. أعبر منشغلا ككل العابرين، غارقا في ذاتي، لا ألوي على شيء.

فجأة، ورغم انغلاق أذني عما يروج ويموج من أصوات حولي، ينتزعني صوت قهقهة امرأة شابة تلاعب طفلا ذي خمس سنوات أو ما يقارب زيادة ونقصانا، وكان هذا تقديري لعمره. انتبهت، فرأيت الطفل يتبختر وهو يردد على مسامع مرافقته، أمه، أخته، قريبته، جارته، مُستعيرته، لا أدري ولا أجزم، “انتِ شمكارة… انتِ بنت الحرام… والشابة تقهقه، وكأني بها تُشجعه على تَنطُّعه، وقد رفعته بقهقهاتها إلى درجة الرشد والرجولة والفحولة.. رجلا ليس ككل الرجال… واصل الطفل شتائمه وسبابه ونعوته القدحية، إلى أن قال: انتِ قـ…ـة” فانفجرت الشابة بقهقهة عالية أثارت المتسكعين على رصيف المقهى المنشغلين بالخبش على شاشات هواتفهم الذكية… تبادلوا النظرات، وكان لكل نظرة معناها الذي لا تخطؤه العين…

مر هذا المشهد أمامي وعلى مسامعي في دقائق معدودات، سرعان ما انزويت بعدها في نفسي أحلل وأناقش ما رأيت وسمعت…

دارت بذاكرتي تصريحات مسؤولين كبار، وزراء، برلمانيين، فاعلين جمعويين، حقوقيين، .. كل الذين لا يملون من تكرار الجمل والعبارات والتصريحات نفسها حول حقوق الطفل، ودور الإيواء، والتسول، والتشرميل، والعنف، والمرأة والمناصفة، والتربية والمدرسة والمشاريع الاجتماعية والإدماج والمخططات الاستراتيجية.. عاصفة ذهنية زوبعت كل الأفكار والمعلومات والمعطيات برأسي، ختمتها بسؤال: لماذا تترك الدولة الراشدين يتسولون بالأطفال؟ لماذا لا تنتزع من كل راشد، امرأة كان أو رجلا، الطفل الذي يتسول به؟ ما ذنب طفل تُشرِبه المرأة محلولا مخدرا ينام على إثره طفولته كلها لتتسول به؟ أين هي مسؤولية كل منا تجاه هذا الوضع؟ نحن الذين نتوفر على وزارة مسؤوليتها حماية الأسرة، وبرلمان حقيقي وآخر للأطفال، وعشرات العشرات من الجمعيات العاملة في مجال حماية حقوق الطفل؟ وما فائدة كل هذه المؤسسات، إذا كنا لا نملك الشجاعة لأن نقف أمام امرأة أو رجل يتسول بطفل وننتزعه منه/ها ونؤويه بما يحفظ كرامتنا قبل كرامته !!.

تذكرت أحد الفيديوهات الذي سار عبر قنوات التواصل التكنولوجية والذي يعرض شهامة رجل سويسري شيد قرية للأطفال المغاربة المتخلى عنهم من ماله الخاص وأصبح أبا لما يزيد عن مائة طفل. هل تعوزنا الأموال؟ بالتأكيد لا، وأقصد الميسورين، بل الأثرياء. أما الطبقة المتوسطة فتكاد تكون منتجة لهذه الظواهر الاجتماعية لما لحقها من تفقير. إنه إذن الفقر العاطفي ربما، وربما هو النتيجة الحتمية للرأسمالية التي تتاجر في كل شيء، فرب اقتصاد التسول وارتباطا به اقتصاد الجريمة يدر أرباحا طائلة على شبكته بمختلف حلقاتها، وإن كان غير مفيد للاقتصاد الوطني.

 فإذا افترضنا أن لدينا مليون متسول/ة، كل واحد يسحب عشرة دراهم فقط في اليوم من التداول في السوق إلى غير رجعة، فالمتسول، يتنقل بالمجان ويأكل بالمجان ويحتسي القهوة بالمجان، ويلبس بالمجان… بالمجان.  فهذا معناه أن السوق المالية تفقد كل يوم عشرة ملايين درهم من التداول، يجب على البنك المركزي تعويضها كل يوم، أي طبع أوراق نقدية بنفس القيمة كل يوم للحفاظ على توازن السوق. وسأترك للمحاسبين والماليين حساب التكاليف والعائدات واستخلاص النسب والأرقام، وللحكومة والبرلمان اقتراح الحلول وتنفيذ البرامج.

وحتى ذلك الحين…

اترك تعليقاً