الأربعاء، 12 أغسطس 2026
الرأي

كرة القدم بإقليم شيشاوة.. عقود من الشغف بين إكراهات التمويل وغياب المشروع

كرة القدم بإقليم شيشاوة.. عقود من الشغف بين إكراهات التمويل وغياب المشروع

هوسبريس – خليل الكطابي

في إقليم شيشاوة، لا تعاني كرة القدم من غياب الأندية ولا من ندرة المواهب، بقدر ما تعاني من سؤال أكبر ظل مطروحًا لسنوات: متى يتحول هذا الشغف الكروي إلى مشروع رياضي قادر على صناعة الإنجاز والاستمرارية؟

المشهد الكروي بالإقليم يضم عددًا من الأندية التي راكمت سنوات طويلة من الحضور والممارسة. ففي سيدي المختار نجد شباب سيدي المختار وأمل سيدي المختار، بينما تحتضن مدينة شيشاوة ثلاثة أندية هي نهضة شيشاوة، أحد أقدم الأندية بالإقليم، إلى جانب اتحاد شيشاوة وترجي شيشاوة. أما أمنتانوت، فيمثلها أشبال أطلس أمنتانوت، النادي الذي استطاع لسنوات أن يحافظ على حضوره في القسم الممتاز الجهوي، قبل أن تصطدم مسيرته بأزمة مالية أثرت بشكل كبير على استمراريته.

وبالعودة إلى أعلى مستوى بلغته بعض أندية الإقليم، نجد أن نهضة شيشاوة وترجي شيشاوة وأشبال أطلس أمنتانوت وصلت إلى القسم الممتاز الجهوي، بينما يبقى وصول شباب سيدي المختار إلى قسم الهواة محطة استثنائية في تاريخ كرة القدم بالإقليم، وإن لم تستمر التجربة سوى لموسم واحد، قبل أن يعود الفريق إلى الأقسام الشرفية.

هذه المعطيات تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: كيف لإقليم يضم أندية يعود تاريخ بعضها إلى عقود، أن يظل حضوره محدودًا في هرم كرة القدم الجهوية والوطنية؟

الإشكال لا يرتبط بالمواهب وحدها، ولا برغبة اللاعبين والجماهير، وإنما يتصل أساسًا بغياب منظومة قادرة على تحويل هذه الطاقات إلى مشروع رياضي مستدام. فالعديد من الأندية تجد نفسها في كل موسم أمام السؤال نفسه: من أين ستأتي ميزانية الموسم المقبل؟ وكيف ستؤمن التنقلات والتجهيزات والتداريب ورواتب الأطر والمصاريف المختلفة؟

وتظل مسألة التمويل واحدة من أبرز الإكراهات. فاعتماد الأندية بشكل كبير على المنح السنوية يجعل استقرارها مرتبطًا بالاعتمادات التي تخصصها الجماعات الترابية وبطريقة تدبيرها وتحديد أولوياتها. لذلك، فإن دعم كرة القدم المحلية لا ينبغي أن يظل محصورًا في منحة سنوية قد تتغير قيمتها من سنة إلى أخرى، وإنما يحتاج إلى اتفاقيات واضحة ومتعددة السنوات تضمن للأندية حدًا أدنى من الاستقرار المالي، وتربط الدعم بأهداف رياضية وتكوينية قابلة للقياس.

مثل هذه الاتفاقيات من شأنها أن تمنح الأندية القدرة على التخطيط، بدل أن تجد نفسها مجبرة على انتظار كل موسم لمعرفة حجم الدعم الذي ستحصل عليه. كما أنها تضمن أن يبقى الدعم مرتبطًا بمشروع رياضي ومصلحة عامة، لا بالتغييرات التي قد تعرفها المجالس المنتخبة أو اختلاف الأولويات والتوجهات من مرحلة إلى أخرى.

وفي السياق ذاته، تبرز قضية ملاعب القرب، التي يمكن أن تشكل موردًا مهمًا للأندية والجمعيات الرياضية، سواء من خلال مداخيل الاستغلال أو من خلال توجيه جزء من عائداتها لدعم التكوين الرياضي المحلي. وهنا تطرح أسئلة مشروعة حول كيفية تدبير هذه المرافق، ومعايير الاستفادة منها، ومدى استفادة الأندية التي تمارس كرة القدم فعليًا من هذه البنيات.

فمن غير المنطقي أن نتحدث عن البحث عن المواهب وتطوير كرة القدم المحلية، في الوقت الذي يجد فيه النادي الرياضي صعوبة في الوصول إلى فضاءات التدريب، بينما توجد مرافق رياضية يمكن أن تلعب دورًا أساسيًا في تكوين الأجيال الجديدة.

وتبرز هنا حالة جماعة المزوضية، التي تعد من الجماعات ذات الإمكانات الاقتصادية المهمة داخل الإقليم، لكنها تعرف منذ سنوات توقفًا في النشاط الرياضي المنظم. والنتيجة أن عددًا من شباب المنطقة يجد نفسه دون إطار رياضي قادر على احتضان موهبته وتطويرها، وهو ما يجعل السؤال أكبر من مجرد كرة القدم: أين يذهب الشاب الموهوب عندما لا يجد ناديا ولا مدرسة كروية ولا مشروعًا رياضيًا يحتضنه؟

إن خسارة المواهب لا تظهر دائمًا في نتائج المباريات؛ أحيانًا تظهر في لاعب كان يمكن أن يصبح مشروع لاعب جيد، لكنه لم يجد الملعب أو النادي أو المدرب أو الظروف التي تسمح له بالتطور.

كرة القدم في إقليم شيشاوة تحتاج اليوم إلى إعادة التفكير في طريقة تدبيرها. المطلوب ليس فقط ضخ الأموال في الأندية، وإنما بناء علاقة جديدة بين الجماعات والفرق، تقوم على اتفاقيات واضحة، وأهداف محددة، وآليات للمراقبة والتقييم، مع إعطاء الأولوية للتكوين والفئات العمرية.

كما أن الأندية نفسها مطالبة بمراجعة طرق اشتغالها، والانتقال من منطق تدبير موسم إلى منطق بناء مؤسسة رياضية. فالصعود إلى قسم أعلى ليس هدفًا كافيًا إذا لم يكن النادي قادرًا على الحفاظ عليه، كما أن التعاقد مع لاعبين للمنافسة الآنية لا يمكن أن يكون بديلًا عن الاستثمار في الفئات الصغرى.

لقد أثبتت تجربة شباب سيدي المختار أن الوصول إلى قسم الهواة ممكن، كما أثبتت تجارب نهضة شيشاوة وترجي شيشاوة وأشبال أطلس أمنتانوت أن أندية الإقليم قادرة على بلوغ القسم الممتاز الجهوي. لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذه التجارب المتفرقة إلى مشروع كروي إقليمي متكامل.

إقليم شيشاوة لا يحتاج إلى المزيد من الوعود الرياضية بقدر ما يحتاج إلى رؤية واضحة: ملاعب مؤهلة، أندية مستقرة ماليًا، تكوين حقيقي للفئات العمرية، اتفاقيات دعم متعددة السنوات، واستثمار فعلي في الشباب.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً