الجمعة، 25 سبتمبر 2026
الرأي

انتخابات 2026 تكشف أثر التفاوتات الاجتماعية على الاختيار الانتخابي

انتخابات 2026 تكشف أثر التفاوتات الاجتماعية على الاختيار الانتخابي

بقلم / خليل الكطابي 

تكشف النتائج الأولية للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 عن معطى يتجاوز الخريطة الحزبية وترتيب المقاعد، ويتصل بالسياقات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التي تشكل فيها الاختيار الانتخابي. فالأصوات التي وُضعت في صناديق الاقتراع لم تتشكل جميعها داخل الشروط نفسها، وهو ما يجعل قراءة النتائج مرتبطة أيضاً بقراءة المجتمع الذي أنتجها.

وتشير القراءة الجغرافية الأولية للنتائج إلى أن نحو 222 نائباً من أصل 395 جاؤوا من دوائر يغلب عليها الطابع القروي، أي ما يقارب 56.2 في المائة من مجموع أعضاء مجلس النواب، في وقت يمثل فيه سكان الوسط الحضري 62.8 في المائة من مجموع سكان المغرب، وفق معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.

وتطرح هذه المفارقة سؤالاً يتجاوز تحديد الفائزين والخاسرين: في أي سياق اجتماعي واقتصادي وتعليمي تشكلت هذه الاختيارات الانتخابية؟

تفاوت تعليمي ينعكس على الوصول إلى المعلومة

تظهر معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 استمرار الفوارق بين الوسطين القروي والحضري في مجالات التعليم ومحو الأمية. ولا تعني هذه الفوارق، بطبيعة الحال، اختلافاً في الوعي السياسي بين سكان المدن والقرى، لكنها تعكس اختلافاً في الظروف التي يصل من خلالها المواطن إلى المعلومة ويقرأها ويقارن بين مضامينها ومصادرها.

وتتداخل هذه المعطيات مع عوامل أخرى، من بينها مستوى الخدمات العمومية، وفرص الشغل، ومستويات الدخل، وبعد بعض المناطق عن مراكز القرار، وهي عناصر تؤثر في طبيعة العلاقة التي تنشأ بين المواطن والسياسة والفاعل الانتخابي.

في عدد من المناطق القروية، قد تكون السياسة مرتبطة بشكل أكبر بما هو مباشر ومحلي، من خلال معرفة المرشح وشبكة علاقاته وقدرته على التدخل لدى الإدارات أو المساهمة في حل بعض المشكلات المرتبطة بالخدمات والوثائق والولوج إلى المؤسسات. وفي هذه الحالات، لا يعود المرشح مجرد اسم في لائحة انتخابية، بل يصبح جزءاً من شبكة محلية يتقاطع فيها السياسي والاجتماعي والإداري.

الناخب لا يصوت داخل الشروط نفسها

لا يعني هذا المعطى أن الناخب القروي أقل وعياً، كما لا يسمح بالقول إن الناخب الحضري أكثر وعياً بالضرورة. الفارق الأساسي يكمن في الظروف الاجتماعية التي تحيط بعملية الاختيار.

فالناخب الحضري يوجد، في الغالب، داخل فضاء أكثر كثافة من حيث وسائل الإعلام والجامعات وشبكات التواصل والنقاشات السياسية وتعدد مصادر المعلومات. أما الناخب في المناطق القروية، فقد يواجه شروطاً مختلفة، تتصل بالمسافة الجغرافية، ومحدودية بعض الخدمات، وضعف فرص الشغل، والهجرة، وقوة الروابط والعلاقات المحلية.

ومن ثم، فإن فهم السلوك الانتخابي لا يمر فقط عبر سؤال: لمن صوّت المواطن؟ وإنما أيضاً عبر سؤال أكثر ارتباطاً بالسياق: ما الظروف التي أحاطت بهذا الاختيار؟

البطالة ليست المؤشر الوحيد

ويحتاج تحليل الفوارق الاجتماعية والاقتصادية إلى تجاوز القراءة السطحية لمعدل البطالة. فالمؤشر العام لا يكفي وحده لتفسير الاختلافات بين المجالات، لأن بنية سوق الشغل تختلف من منطقة إلى أخرى.

والسؤال الأكثر دقة لا يتعلق فقط بمكان وجود البطالة، وإنما بطبيعة فرص العمل المتاحة، ومستوى الدخل، والاستقرار المهني، وإمكانات الترقي الاجتماعي، ومدى قدرة الاقتصاد المحلي على توفير فرص مستدامة للسكان.

هذه العناصر تشكل جزءاً من البيئة التي يتفاعل داخلها المواطن مع الخطاب السياسي، وتحدد، بشكل غير مباشر، القضايا التي يضعها في مقدمة اهتماماته الانتخابية.

الهجرة الداخلية تعيد تشكيل الخريطة الاجتماعية

وتدخل الهجرة من القرى إلى المدن في صلب هذه المعادلة. فالمغرب الحالي يختلف ديموغرافياً واجتماعياً عن المغرب الذي كانت نسبة أكبر من سكانه تعيش في العالم القروي قبل عقود.

انتقلت أعداد كبيرة من المغاربة إلى المدن، أو وُلد أبناء لأسر انتقلت من القرى إلى المراكز الحضرية، في حين واصلت بعض المناطق القروية فقدان جزء من شبابها بفعل الهجرة الداخلية والخارجية.

وبذلك أصبحت الحدود بين المجالين القروي والحضري أقل بساطة مما قد توحي به الخرائط الإدارية، فيما استمرت آثار التفاوت في التعليم والخدمات والدخل وفرص العمل في التأثير على البنية الاجتماعية والسياسية للمجالات المختلفة.

الخريطة الانتخابية مرآة للخريطة الاجتماعية

من هذا المنظور، لا يمكن اختزال نجاح الأحزاب الكبرى في عدد من الدوائر القروية في عامل تنظيمي أو انتخابي فقط، كما لا يمكن تفسير حضور بعض الأحزاب في المدن باعتباره انعكاساً تلقائياً لارتفاع مستوى الوعي السياسي لدى سكانها.

فالنتائج الانتخابية تتشكل داخل مجتمع تتفاوت فيه مستويات التعليم والدخل والخدمات والوصول إلى المعلومة، وتختلف فيه طبيعة العلاقات بين المواطن والمؤسسات والفاعل السياسي من مجال إلى آخر.

وبالتالي، فإن الخريطة الانتخابية لا تعكس فقط حجم الأحزاب وقدرتها التنظيمية، وإنما تكشف أيضاً جانباً من الخريطة الاجتماعية والاقتصادية للمغرب.

وكلما اتسعت الفوارق بين المجالات في فرص التعليم والعمل والخدمات والولوج إلى المعلومة، ظل من الصعب افتراض أن الاختيار السياسي يتشكل بالطريقة نفسها لدى جميع المواطنين.

سؤال التنمية قبل سؤال الانتخابات

تضع نتائج انتخابات 2026 هذا النقاش أمام سؤال يتجاوز النتائج الحزبية نفسها: لماذا ما تزال الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تسبق لحظة التصويت متفاوتة بين المواطن الذي يعيش في المدينة والمواطن الذي يعيش في المجال القروي؟

فالمسألة لا تتعلق بأن تتقارب نتائج الانتخابات بين المجالين الحضري والقروي، بقدر ما تتعلق بتقارب شروط الحياة التي تسبق العملية الانتخابية نفسها؛ من تعليم جيد، وخدمات عمومية، وفرص شغل، ودخل مستقر، وولوج متكافئ إلى المعلومة والمؤسسات.

وفي هذا السياق، يستعيد النقاش حول مقولة «المغرب يسير بسرعتين» التي وردت في خطاب الملك محمد السادس، ارتباطه بواقع التنمية المجالية والاجتماعية. فالتفاوت في سرعة التنمية لا ينعكس فقط على مؤشرات الاقتصاد والخدمات، وإنما يمكن أن يظهر أيضاً في طبيعة العلاقة مع السياسة وفي الطريقة التي تتشكل بها الاختيارات الانتخابية.

لذلك، فإن قراءة انتخابات 2026 لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال من حصل على أكبر عدد من المقاعد، بل تمتد إلى سؤال أعمق: كيف تؤثر الفوارق الاجتماعية والمجالية في الطريقة التي يمارس بها المواطن حقه السياسي؟

فالانتخابات قد تكون مناسبة لقياس موازين القوى بين الأحزاب، لكنها في الوقت نفسه تكشف، بصورة غير مباشرة، موازين أخرى داخل المجتمع؛ موازين التعليم والدخل والخدمات والفرص والمعلومة. ومن هذه الزاوية، تصبح صناديق الاقتراع مرآة للسياسة، ولكن أيضاً مرآة لمسار التنمية نفسه.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً