إيطاليا تشدد المراقبة على الحدود.. وشنغن أمام اختبار حرية التنقل
هوسبريس- سيداتي بيدا
أعادت إيطاليا الحدود الداخلية لمنطقة شنغن إلى واجهة المشهد الأوروبي، بعدما قررت تشديد المراقبة على القادمين من إسبانيا، في خطوة تبدو للوهلة الأولى إجراءً أمنيًا مؤقتًا، لكنها تحمل في خلفيتها سؤالًا أكبر بكثير: ماذا تبقى من فكرة «أوروبا بلا حدود» عندما تعود نقاط التفتيش إلى الظهور كلما اشتدت أزمات الهجرة والأمن؟
روما لم تعلن خروجها من فضاء شنغن، ولم تُلغِ مبدأ حرية التنقل، لكنها فعلت شيئًا كان يُفترض أن يكون استثنائيًا: أعادت المراقبة إلى حدود داخلية بين دولتين تنتميان إلى الفضاء الأوروبي نفسه. وبذلك، لم تعد الحدود مجرد خط جغرافي على الخريطة، بل عادت لتظهر في تجربة المسافر اليومية.
وهذا لا يعني أن جواز السفر أصبح فجأة الوثيقة الوحيدة المسموح بها للسفر. فمواطنو الاتحاد الأوروبي يمكنهم، وفق القواعد المعمول بها، استخدام وثائق الهوية الوطنية السارية، لكن عودة المراقبة تعني أن المسافر مطالب بأن تكون وثيقته بحوزته وصالحة وقابلة للإبراز عند طلبها. أما مواطنو الدول من خارج الاتحاد الأوروبي، فتظل وضعيتهم مرتبطة بجنسيتهم وشروط دخولهم ووثائق سفرهم وتأشيراتهم، حيثما كانت مطلوبة.
لكن القضية تتجاوز بكثير سؤال: «هل أحتاج إلى جواز سفر؟». فجوهر شنغن يقوم على تسهيل الحركة بين الدول الأعضاء من خلال إزالة المراقبة على الحدود الداخلية في الظروف العادية. وعندما تعود هذه المراقبة، حتى بصفة مؤقتة، فإنها تكشف حجم الضغط الذي أصبحت الهجرة تفرضه على التوازن الأوروبي.
فإيطاليا ليست دولة هامشية في معادلة الهجرة الأوروبية. موقعها الجغرافي يجعلها واحدة من أبرز بوابات الوصول إلى القارة، ولذلك فإن كل موجة ضغط على حدودها تتحول سريعًا إلى قضية أوروبية تتداخل فيها اعتبارات الأمن مع حرية التنقل وتقاسم المسؤوليات بين دول الاتحاد.
ومن هنا تبدأ المفارقة الأوروبية الكبرى. فالاتحاد يريد تشديد حدوده الخارجية لمنع الدخول غير النظامي، لكنه في الوقت نفسه يريد حماية الحدود الداخلية من العودة إلى ما كانت عليه قبل قيام شنغن. يريد أمنًا أكبر من دون التضحية بحرية الحركة، ويريد ضبط الهجرة من دون أن تتحول إجراءات الطوارئ إلى نمط دائم يعيد تشكيل الحياة داخل أوروبا.
المشكلة أن الاستثناء، عندما يتكرر، يفقد شيئًا من استثنائيته. وكل عودة جديدة للمراقبة الداخلية تجعل السؤال أكثر إلحاحًا: هل ما يحدث مجرد إجراءات مؤقتة تفرضها ظروف استثنائية، أم أن أوروبا بدأت تتكيف تدريجيًا مع واقع جديد تصبح فيه الحدود الداخلية قابلة للعودة كلما ارتفعت المخاطر؟
ولا يتعلق الأمر بالمسافر وحده. فحرية التنقل ليست امتيازًا للسياح فقط، بل جزء من الحياة اليومية لملايين الأوروبيين؛ عامل ينتقل للعمل، طالب يعبر إلى جامعته، أسرة تسافر، وشركات تعتمد على حركة الأشخاص والبضائع بين الدول. لذلك فإن أي تشديد متكرر للحدود الداخلية ستكون له، بالضرورة، انعكاسات تتجاوز دقائق الانتظار عند نقطة تفتيش.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ القول إن شنغن انهارت لمجرد عودة المراقبة المؤقتة. فالنظام الأوروبي نفسه يسمح في ظروف محددة بإعادة فرض ضوابط مؤقتة على الحدود الداخلية، وهو ما يعني أن وجود المراقبة لا يساوي قانونيًا إلغاء فضاء شنغن. لكن تكرار هذه الإجراءات واتساع نطاقها يظل مسألة سياسية تستحق النقاش.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الحالية: أوروبا لا تواجه أزمة حدود فقط، بل أزمة ثقة في قدرتها على الجمع بين قيم تبدو متعارضة عندما تشتد الأزمات؛ حرية التنقل من جهة، والأمن ومراقبة الهجرة من جهة أخرى.
وبينما تستمر الحكومات الأوروبية في التأكيد على الطابع المؤقت والاستثنائي لهذه الإجراءات، يبقى الاختبار الحقيقي في النهاية بسيطًا وحاسمًا: هل ستعود الحدود إلى الاختفاء عندما تنتهي الظروف التي استدعت مراقبتها، أم أن «المؤقت» سيجد طريقه تدريجيًا إلى أن يصبح أمرًا طبيعيًا؟
لقد بنت أوروبا جزءًا من صورتها الحديثة على فكرة أن الحدود يمكن أن تتراجع أمام حرية الحركة. واليوم، تعيد أزمة الهجرة طرح السؤال من الاتجاه المعاكس: هل تستطيع أوروبا حماية حدودها الخارجية من دون أن تعيد بناء حدودها الداخلية؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لشنغن، وليس مجرد السؤال عن الوثيقة التي يحملها المسافر في جيبه.
التعليقات