الجمعة، 4 سبتمبر 2026
دولي

إسبانيا تطرح منحاً لتكوين القاصرين المغاربة بسبتة وسط انتقادات لسياسة العودة

إسبانيا تطرح منحاً لتكوين القاصرين المغاربة بسبتة وسط انتقادات لسياسة العودة

هوسبريس-سيداتي بيدا

يفتح عمدة مالقة، فرانسيسكو دي لا توري، بطرحه المتعلق بمنح وتكوين القاصرين المغاربة الموجودين في سبتة، باباً واسعاً أمام أسئلة تتجاوز ظاهر المبادرة إلى ما قد تخفيه من أبعاد سياسية مرتبطة بملف الهجرة. فالفكرة تبدو، في واجهتها الأولى، إنسانية وجذابة؛ منح وبرامج للتكوين والتأهيل ومساعدة شباب يوجدون في وضعية هشاشة على بناء مستقبل أفضل. غير أن السياسة لا تُقرأ دائماً من عناوينها البراقة، بل من شروطها ونتائجها وما إذا كانت المساعدة المقترحة منفصلة فعلاً عن مسألة العودة أم أنها جزء من صيغة أكثر نعومة لإعادة القاصرين إلى المغرب.

ويبدو الفرق هنا جوهرياً. فإذا كان الهدف هو تمكين هؤلاء الشباب من فرص حقيقية في التعليم والتكوين والعمل، فلا مجال للاعتراض على مبادرة تستثمر في الإنسان وتمنحه أدوات بناء مستقبله. أما إذا ارتبطت المنحة أو التكوين عملياً بقرار العودة، فإن المبادرة تخرج من بعدها الاجتماعي لتصبح جزءاً من تدبير أزمة الهجرة، حيث يتحول التكوين من فرصة قائمة بذاتها إلى حافز لإنهاء إقامة القاصر على الأراضي الإسبانية.

ويضع هذا الاحتمال السلطات الإسبانية أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: هل يتم التعامل مع القاصرين باعتبارهم أطفالاً يحتاجون إلى الحماية، أم باعتبارهم ملفاً من ملفات الهجرة غير النظامية ينبغي إيجاد مخرج سريع له؟ فالقاصر الذي يصل إلى سبتة لا يفقد بمجرد عبوره الحدود حاجته إلى الرعاية والحماية، ولا يتحول إلى رقم في إحصائيات الهجرة أو عبء مالي على مراكز الإيواء. إنه إنسان في سن الطفولة، وتبقى مصلحته الفضلى هي المعيار الذي ينبغي أن يسبق الحسابات السياسية والإدارية.

وتزداد حساسية المسألة عندما تتحول اللغة المستخدمة في تدبير الملف إلى جزء من الحل السياسي. فاستبدال كلمة «الترحيل» بـ«العودة»، أو الحديث عن «التأهيل» و«إعادة الإدماج» بدل مناقشة شروط الإبعاد، لا ينبغي أن يحجب جوهر السؤال. فالمصطلحات قد تتغير، لكن حقيقة الإجراء لا تتغير بمجرد تغيير اسمه. وإذا كان مصير المنحة مرتبطاً بعودة القاصر، فإن من حق الرأي العام أن يسأل عن طبيعة هذه العلاقة، وعن مدى طوعية القرار، وعن الضمانات التي تحمي القاصر من أن تتحول حاجته إلى فرصة إلى وسيلة للضغط عليه.

ولا يعني ذلك رفض التكوين أو المنح أو التعاون المغربي الإسباني، بل على العكس؛ إن الاستثمار في الشباب المغربي يمكن أن يكون مدخلاً حقيقياً لمعالجة جذور الظاهرة، شرط ألا يتحول إلى أداة لإدارة نتائجها فقط. فالتكوين الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن الهجرة غير النظامية ليست مجرد مشكلة حدودية، وإنما نتيجة لتداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وتعليمية ونفسية، وأن معالجة آثارها لا يمكن أن تعوض معالجة أسبابها.

ويظل السؤال الأهم موجهاً إلى جميع الأطراف: ماذا نريد فعلاً من هذه المبادرات؟ هل نريد أن نمنح القاصرين فرصة جديدة، أم نبحث عن طريقة جديدة لإعادتهم؟ وهل نحن أمام سياسة تستثمر في الإنسان، أم أمام مخرج سياسي جرى تقديمه بلغة أكثر نعومة وأقل إثارة للجدل؟

ففي النهاية، لا قيمة لمنحة إذا كانت ثمنها العودة، ولا معنى للتكوين إذا كان الغرض منه إغلاق ملف، ولا يمكن لخطاب إنساني أن ينجح في إخفاء قرار سياسي إذا كانت مصلحة القاصر تأتي في المرتبة الثانية.

القاصر ليس أزمة ينبغي التخلص منها، ولا رقماً في حسابات الهجرة؛ إنه طفل، ومستقبله لا ينبغي أن يتحول إلى جزء من صفقة بين ضفتي المتوسط.

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً