تراجع أسعار البيض في المغرب: فائض الإنتاج وضعف الطلب وراء الانخفاض.

بقلم سيداتي بيدا
أشعلت الانخفاضات المفاجئة في أسعار البيض بالمغرب نقاشاً واسعاً، سرعان ما انجرف نحو تبسيط مخلّ يختزل ما وقع في “ترند” عابر على مواقع التواصل الاجتماعي. هكذا، جرى تقديم محتوى رقمي منسوب لطبيب مصري راحل كعامل حاسم في قلب موازين السوق، في سردية جذابة لكنها تفتقر إلى الحد الأدنى من الدقة الاقتصادية.
في الواقع، لا تتحرك الأسواق بهذه الخفة، ولا تُعاد صياغة معادلات العرض والطلب بضغطة زر أو مقطع فيديو. صحيح أن دعوات المقاطعة خلقت حالة من التوجس لدى شريحة من المستهلكين، وأثرت نفسياً على وتيرة الاستهلاك، إلا أن هذا العامل يظل محدود الأثر إذا ما قورن بما كان يجري في عمق السوق.
المعطيات الأساسية تكشف صورة مختلفة تماماً. إنتاج وفير تجاوز مستويات الطلب بكثير، ما أدخل السوق في حالة تشبّع حاد. في الوقت نفسه، ساهم تراجع كلفة الأعلاف في خفض تكاليف الإنتاج، وهو ما دفع المنتجين إلى زيادة العرض دون قدرة حقيقية على امتصاصه. ومع ارتفاع درجات الحرارة، ازدادت الضغوط، لأن البيض من السلع سريعة التلف التي لا تحتمل الانتظار، ما فرض تسويقها بأي ثمن لتفادي الخسائر.
بالموازاة مع ذلك، كانت القدرة الشرائية للمواطن تتآكل بصمت. فبعد أشهر من الارتفاعات المتتالية، أصبح الاستهلاك أكثر حذراً، بل وأكثر انكماشاً. هذا التراجع التدريجي في الطلب جعل السوق هشّة، مستعدة للانزلاق عند أول هزة، مهما كان مصدرها.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم دور الحملات الرقمية باعتبارها عاملاً مسرّعاً لا منشئاً للأزمة. لقد سرّعت وتيرة الانخفاض، لكنها لم تكن السبب الجوهري فيه. فالسوق كانت أصلاً على حافة الاختلال، تنتظر فقط من يدفعها إلى السقوط.
الأرقام تعكس بوضوح عمق الأزمة: أسعار تراجعت إلى أقل من 0.80 درهم للبيضة في بعض المناطق، بعدما كانت تتجاوز 1.50 درهم. هذا التحول الحاد لا يمكن تفسيره بمنطق “الترند”، بل هو نتيجة تراكمات بنيوية في منظومة الإنتاج والتوزيع.
المشكلة، في جوهرها، ليست في هبوط الأسعار، بل في القراءات السطحية التي ترافقه. حين يُختزل الاقتصاد في تأثير “فيديو”، يتم التغاضي عن اختلالات أعمق تتعلق بالتخطيط، وضبط الإنتاج، وتوازن السوق. وهو ما ينذر بإعادة إنتاج الأزمة مستقبلاً بشكل أشد قسوة.
ما حدث في سوق البيض ليس قصة انتصار رقمي، بل إشارة إنذار لقطاع يحتاج إلى مراجعة دقيقة لآلياته. فالسوق لا تُدار بالضجيج، بل بحسابات دقيقة، ومن لا يقرأ الأرقام جيداً، يدفع الثمن مضاعفاً.



اترك تعليقاً