تامسنا: خبز بلا رخص ولا ضمانات… ومخابز قانونية على حافة الإفلاس.

هوسبريس_خالد غوتي
في زمنٍ تُرفع فيه شعارات تشجيع الاستثمار ودعم الشباب، يطفو على السطح واقعٌ صادم يُجسّد التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة، مراد، مواطن مغربي اختار أن يشق طريقه بعرق جبينه، أنشأ مشروعًا بسيطًا يتمثل في مخبزة صغيرة، لكنه حرص منذ اللحظة الأولى على سلوك الطريق القانوني، فاستخرج جميع التراخيص اللازمة، واحترم دفاتر التحملات، وخضع – ولا يزال – لدوريات المراقبة الشهرية التي تقوم بها اللجان المختصة.
مراد لم يكن يومًا ضد القانون، بل آمن بأن احترامه هو السبيل الوحيد لضمان جودة المنتوج وصحة المواطن وكرامة العامل. لذلك سجّل عماله في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، واستثمر في شروط السلامة الصحية، وتحمل أعباءً مالية إضافية تثقل كاهل أي مشروع صغير في بداياته.
غير أن هذا المسار “القانوني” لم يكن مكافأً، بل تحوّل إلى عبء ثقيل في ظل واقع آخر أكثر مرارة: انتشار مخابز عشوائية تُفتح داخل كراجات ومرافق غير مؤهلة، تُنتج الخبز في ظروف تفتقر لأبسط معايير السلامة الصحية، وتُسوّق منتوجها دون أي ترخيص أو مراقبة.
الأخطر من ذلك، أن هذه المحلات غير القانونية تبقى خارج رادار لجان التفتيش، لأنها ببساطة غير مُدرجة ضمن لوائح المخابز المرخصة، ما يمنح أصحابها “حصانة غير معلنة”، ويجعلهم يشتغلون في أريحية تامة، دون أداء واجبات اجتماعية، أو احترام شروط صحية، أو خوف من مساءلة قانونية.
في المقابل، يجد مراد وأمثاله من المهنيين الملتزمين أنفسهم تحت ضغط دائم: مراقبة صارمة، مصاريف متزايدة، منافسة غير شريفة، وسوق مختلّ تُعاقَب فيه الاستقامة ويُكافَأ فيه التحايل.
مراد لا يطالب بامتيازات، ولا يدعو إلى التخفيف من المراقبة، بل على العكس تمامًا. يؤكد، كما يصرّح، أنه ليس ضد تسجيل العمال في الضمان الاجتماعي ولا ضد احترام معايير السلامة، لكنه يطالب فقط بتطبيق نفس القواعد على الجميع، دون استثناء. فإخضاع المخابز غير القانونية للمراقبة، وإدراجها ضمن لوائح التفتيش، سيضمن جودة الخبز المقدم للمواطن، ويُعيد الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص، ويضع حدًا لفوضى تضر بالاقتصاد وبالصحة العامة.
إن ما يعيشه مراد ليس حالة معزولة، بل نموذج صارخ لاختلال عميق في منظومة المراقبة والعدالة الاقتصادية. فإما أن يُحتَرم القانون من الجميع، أو يتحوّل الالتزام به إلى مغامرة خاسرة، ويصبح السؤال المؤلم مطروحًا بإلحاح:
لماذا يُعاقَب من اختار الطريق المستقيم، بينما يُترك من يشتغل في الظل دون حسيب ولا رقيب؟



اترك تعليقاً