الرئيسية / الرأي / السياسة بألوان قزح

السياسة بألوان قزح

عبدالنبي مصلوحي

واقعة عجيبة حدثت هذه الايام على مسرح المشهد الحزبي المتهالك، تغني عن أي تحليل أو تقييم للفعل السياسي في بلادنا،  حزب وطني، يقول عن نفسه أنه “كبير”، يقدم نفسه بأنه  البديل القادم لليمين المحافظ الذي لم يكن محظوظا طيلة العشر سنوات التي قضاها على رأس الحكومة في إرضاء السواد الأعظم من المغاربة، أحال بعض مناضليه على لجنة تأديبية داخلية، لا لشيء، فقط لأنهم نشروا تدوينات على “الفايسبوك” تتناول بعض الملاحظات المتعلقة باختلالات في تدبير أمور الحزب، خالية من أي تجريح أو قذف أو ما شابه..هذا الحزب، كما قلت يقدم نفسه بديلا في المرحلة القادمة للحزب الذي يقود الحكومة، وهو الحزب “الاسلامي” الذي لم يُسجل أن أحال أحد مناضليه على لجنة تأديبية بسبب تدوينة ينتقد فيها التسيير أو التدبير الداخلي..

هذا الحزب الذي لا يقبل حتى الانتقاد من أطره المناضلة والمثقفة بخصوص قضايا داخلية تهم مستقبله، هل هوقادر على أن يشكل بديلا حقيقيا للعدالة والتنمية على رأس حكومة ما بعد التشريعيات المقبلة ؟

هذا الذي يدبر خلافاته الداخلية بهكذا طريقة..غير جدير بالمكانة التي يحلم بها، لأن المغاربة لم يعودوا مستعدين لحزب يذكرهم بالعصور الغابرة، عندما كانت السياسة تؤدي الى غياهب السجون..

عجيب أمر هذه المكونات حتى لا نقول “الكائنات” الحزبية، تتحدث عن النفور من العمل السياسي، وتدافع عن الحق في ممارسته، وفي نفس الوقت لا تقبل قانون فعله عندما يتعلق الأمر بانتقادها، فهؤلاء هم الذين نفروا الناس من السياسة، بالتصرف في احزابهم كأنها ضيعات خاصة، يجب على المناضلين فيها أن يأتمروا بأوامرهم ولا حق لهم في النقاش إلا في ما يخدمهم ويرضيهم، ومن اعترض يكون مصيره الطرد..وكأنه طرد من الجنة..هؤلاء ليس من حقهم أن يحلموا بحكومة أو شيء من هذا القبيل، لأن أحلام وتطلعات الشعب في الديموقراطية تجاوزتهم بكثير، عجلة التاريخ نحو ما تطمح له الدولة شعبا وملكا تدور، ولن يُسمح لأحد بإيقافها..قوانين تكميم الأفواه، تم القطع معها ولا رجوع في هذا الأمر، لأن عربة التاريخ ليست لديها إمكانية للسير الى الخلف “مارشآريير”.

وللأسف، هؤلاء ليسوا وحدهم من يعبث بالعمل السياسي في مشهدنا الحزبي، فهناك آخرون مثلهم، وهم كثيرون، يحتلون دكاكين سياسية، لا يهمهم لا تطوير ولا مصلحة عامة ولا هم يحزنون، كل ما يهمهم هو ما يجنونه من أرباح من العمل السياسي، كثير منهم بدؤوا هذه الايام مع قرب الانتخابات في التحرك، والقيام بحركات لفت الانتباه الى أن دكاكينهم مازالت لم تفلس بعد. طوال الخمس سنوات الفاصلة بين الانتخابات، لا تكون لهم أي حرفة غير التربص بالمال العام والغط في النوم داخل دكاكينهم التي تسكنها الصراصير..لا فروع في الأقاليم ..لا أنشطة ..لا تنظيمات موازية..لا تأطير..لا منخرطين..هم وحدهم يغطون في النوم ولا يستقيظون حتى تدق أجراس الانتخابات، وبعدها، بغض النظر عن النتيجة التي غالبا ما تكون كالعادة “صفر”، يعودون إلى “الشخير “والتربص بالمال العام والدعم..

إن الأحزاب خلقت للتداول بين المناضلين الأطر من أجل الأهداف المنصوص عليها، وليس من حق أي شخص تحويلها الى ملكية خاصة، أو أداة للوصول الى “الريع”.. فالمرحلة في حاجة إلى أحزاب حقيقية، ذات لون واحد، لون العمل الجاد من أجل تنمية البعد الديموقراطي في مظاهر الحياة السياسية والحقوقية والاجتماعية وغيرها، وليس أحزابا بألوان مختلفة، يلتقي فيها لون “الشكارة” التي تشتري الأصوات بلون الفساد الذي يلوث المناخ السياسي، بلون “الشطارة” التي تعطي الانطباع بأننا في سوق، وليس في أحزاب..الشعب يريد أحزابا تؤمن حقا بالديموقراطية والمستقبل، وتسمح بالتداول والنقد، وليس الى شبكات منافع ..حرفتها الأكل دون توقف، حتى وإن جاع الشعب الذي باتت فئات عريضة منه تدعو عليها في ظل استعصائها على الاصلاح بالانقراض.

تعليقات الزوّار