78% من سكان شيشاوة في القرى.. البطالة تدفع الشباب إلى الرحيل بحثاً عن المستقبل
بقلم / خليل الكطابي
تعيش شيشاوة مفارقة ديموغرافية واجتماعية تستحق أكثر من مجرد قراءة عابرة للأرقام. فإقليم يضم 378 ألفاً و577 نسمة، يعيش نحو 78 في المائة من سكانه في الوسط القروي، يجد نفسه أمام سؤال ثقيل يتعلق بمستقبل أبنائه، خصوصاً الشباب الذين يواجهون بطالة مرتفعة وفرصاً محدودة، ما يجعل الانتقال نحو المدن بحثاً عن الدراسة أو العمل جزءاً من مسار حياة متزايد الحضور.
في شيشاوة، لا تبدأ الهجرة بالضرورة من المطار، ولا تحتاج إلى جواز سفر. أحياناً تبدأ من دوار بعيد، حين يكتشف شاب أن أقرب فرصة عمل توجد في مراكش أو أكادير أو الدار البيضاء، أو حين يجد طالب نفسه مضطراً إلى مغادرة أسرته لمتابعة دراسته في مدينة أخرى. إنها هجرة داخلية صامتة، لا تثير كثيراً من الانتباه، لكنها تعيد رسم العلاقة بين القرية والمدينة، وبين الإنسان ومجاله الأصلي.

وتكتسب هذه الظاهرة دلالتها الأكبر حين نضعها أمام طبيعة الإقليم. فعيش قرابة أربعة أخماس السكان في الوسط القروي لا يمثل مجرد رقم إحصائي، بل يعكس واقعاً تتقاطع فيه صعوبة الولوج إلى الخدمات مع محدودية فرص العمل وضعف البنيات في بعض المناطق. وحتى المسافة المتوسطة التي تفصل مساكن الوسط القروي عن أقرب طريق معبدة، والمقدرة بـ2.3 كيلومتر، تكشف جزءاً من يوميات سكان يحتاجون إلى التنقل من أجل الدراسة والعمل والعلاج وقضاء أبسط الحاجات.
وسط هذا الواقع، تبدو البطالة واحدة من أبرز دوافع الرحيل. فمعدل البطالة في الإقليم يبلغ 22.5 في المائة، ويرتفع في الوسط القروي إلى 23.5 في المائة، في وقت تمثل فيه الفئة العمرية بين 15 و59 سنة نسبة 55.6 في المائة من مجموع السكان. وهذه المعطيات تجعل القضية أكبر من مجرد أرقام تخص العاطلين، لأنها تتعلق بجيل واسع في سن الدراسة والعمل والإنتاج، يبحث عن مكانه داخل اقتصاد محلي قادر على استيعاب طموحاته.
واللافت أن مغادرة الإقليم لا ترتبط دائماً بانعدام التكوين. فهناك شباب حاصلون على دبلومات وتكوينات مهنية في مجالات مختلفة، من بينها الفندقة والمحاسبة وبعض التخصصات المرتبطة بالقطاع الصناعي، لكنهم يجدون أنفسهم أمام سوق شغل محلية لا توفر دائماً فرصاً تتناسب مع مؤهلاتهم. وهنا تظهر المفارقة القاسية: يتم تكوين الشباب داخل الإقليم، ثم يضطر جزء منهم إلى البحث عن مستقبلهم خارجه.
وتتعمق الصورة أكثر عند النظر إلى مؤشرات التعليم. فمعدل الأمية لدى السكان البالغين 10 سنوات فأكثر يصل إلى 41 في المائة، ويرتفع في الوسط القروي إلى 45.5 في المائة، بينما لا تتجاوز نسبة الحاصلين على التعليم العالي 4.1 في المائة. وهي أرقام لا يمكن اعتبارها سبباً وحيداً للهجرة، لكنها تكشف حجم التحديات التي تواجه بناء رأسمال بشري قادر على الاندماج في اقتصاد حديث ومتنوع.
ولا تتوقف آثار الهجرة عند الشخص الذي يغادر. فالشاب الذي ينتقل إلى المدينة بحثاً عن عمل يظل في كثير من الأحيان مرتبطاً بأسرته في القرية، ويرسل جزءاً من دخله للمساهمة في مصاريف البيت وتعليم الإخوة ورعاية الوالدين. وبذلك يصبح حاضراً اقتصادياً رغم غيابه الجغرافي، وتتحول الهجرة إلى وسيلة لإعالة الأسرة أكثر من كونها قطيعة مع المكان.
لكن هذا الارتباط لا يلغي آثار الرحيل على المجال القروي. فمغادرة الشباب من أجل الدراسة والعمل تساهم تدريجياً في تراجع حضور الفئة الأكثر نشاطاً داخل عدد من الدواوير، كما تجعل العودة إلى الاستقرار النهائي أكثر صعوبة عندما يصبح مصدر الدخل مرتبطاً بالمدينة. وقد يعود البعض خلال العطل والمناسبات، لكن العودة المؤقتة لا تعني بالضرورة عودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى القرى.

ومع ذلك، فإن اختزال القضية في غياب الاقتصاد سيكون قراءة ناقصة. فالإقليم يتوفر على نسيج اقتصادي مهم، يضم 8,413 مؤسسة ربحية خارج القطاع الفلاحي، توفر حوالي 12,906 مناصب شغل دائمة، موزعة بين 5,276 مؤسسة تجارية و1,754 مؤسسة خدماتية و1,278 مؤسسة صناعية و105 مؤسسات في قطاع البناء. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة هذا النسيج على إنتاج وظائف أكثر عدداً وتنوعاً واستقراراً، خصوصاً لفائدة الشباب حاملي الشهادات والتكوينات المهنية.
وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق تعداد المؤسسات إلى منطق قياس أثرها على التنمية المحلية. فشيشاوة تحتاج إلى استثمارات لا تكتفي بفتح وحدات اقتصادية محدودة، وإنما تستثمر في سلاسل الإنتاج وتخلق قيمة مضافة داخل الإقليم. كما تحتاج إلى تثمين المنتجات الفلاحية وتحويلها وتسويقها، وتطوير الخدمات والصناعة واللوجستيك، بما يسمح بخلق فرص عمل مرتبطة بمؤهلات المنطقة بدل الاكتفاء بتصدير اليد العاملة نحو المدن.
وتمنح الجغرافيا للإقليم فرصاً إضافية في هذا الاتجاه. فموقع شيشاوة بين مراكش والصويرة، وانفتاحها على محاور في اتجاه آسفي وأكادير، إلى جانب مؤهلاتها الفلاحية، كلها عناصر يمكن تحويلها إلى رافعة اقتصادية حقيقية إذا جرى استثمارها ضمن رؤية متكاملة تجمع بين الفلاحة والصناعة والتجارة والخدمات والنقل واللوجستيك.
كما أن تطوير التعليم العالي داخل الإقليم يمكن أن يشكل مدخلاً آخر لتقليص الهجرة المرتبطة بالدراسة. فإحداث نواة جامعية، متى توفرت شروطها، لن يكون مجرد مشروع أكاديمي، بل يمكن أن يتحول إلى محرك اقتصادي واجتماعي يستقطب الطلبة من شيشاوة والمناطق المجاورة، بما فيها الصويرة، ويخلق في محيطه أنشطة مرتبطة بالسكن والنقل والمطاعم والخدمات والتجارة.
وتزداد أهمية هذه الخيارات عندما نضعها أمام مؤشرات الفقر والهشاشة. فمعدل الفقر في الإقليم يبلغ 15.1 في المائة، فيما تصل نسبة الهشاشة إلى 21.1 في المائة، بينما يمثل التعليم 49.1 في المائة من مصادر الحرمان ضمن مؤشر الفقر متعدد الأبعاد. وهذا يعني أن معالجة الهجرة لا يمكن فصلها عن معالجة جذورها الاجتماعية والاقتصادية، وفي مقدمتها التعليم والتشغيل والخدمات والبنية التحتية.
لذلك، فإن التعامل مع الهجرة الداخلية باعتبارها مشكلة يجب وقفها سيكون خطأ في التشخيص. فليس من المنطقي أن يُطلب من شاب أن يبقى في منطقة لا يجد فيها فرصة للدراسة أو العمل. الهجرة في حد ذاتها ليست فشلاً، بل قد تكون اختياراً مشروعاً وطبيعياً. المشكلة تبدأ عندما يصبح الرحيل هو الخيار الوحيد المتاح أمام من يريد بناء مستقبله.
شيشاوة لا تحتاج إلى إغلاق أبوابها أمام أبنائها، وإنما إلى فتح أبواب جديدة داخلها. تحتاج إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، وتعليم أكثر قرباً وفعالية، وتكوين مرتبط بحاجات السوق، واستثمارات قادرة على خلق وظائف مستقرة، وخدمات تجعل الحياة في الوسط القروي ممكنة وكريمة.
فالهدف ليس أن يبقى الشباب في شيشاوة بأي ثمن، وإنما أن يمتلكوا حق الاختيار الحقيقي: أن يغادروا إذا أرادوا، وأن يعودوا إذا أرادوا، وأن يجدوا داخل الإقليم نفسه ما يجعل البقاء خياراً محترماً وقابلاً للحياة.
في النهاية، قد لا تكون المشكلة أن أبناء شيشاوة يرحلون، بل أن بعضهم يرحل لأنه لم يجد ما يكفي من الأسباب للبقاء. وعندما يصبح الرحيل الطريق الأكثر وضوحاً نحو العمل والدراسة وتحسين مستوى العيش، فإن الأمر يتجاوز قراراً فردياً ليصبح مؤشراً على حاجة الإقليم إلى نموذج تنموي يجعل الإنسان، قبل كل شيء، جزءاً من مستقبله لا مجرد عابر فيه.
فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا يغادر شباب شيشاوة؟ بل: ماذا ينبغي أن نفعل حتى لا يصبح الرحيل شرطاً لبناء المستقبل؟
التعليقات