الجامعة الوطنية للصحافة تستنكر مضايقة طاقم القناة الثانية بسبتة
اصطدمت مهمة طاقم القناة الثانية، خلال تغطيته للتطورات الأخيرة المرتبطة بأوضاع الهجرة في سبتة المحتلة، بإجراءات ومضايقات حالت دون دخوله إلى المدينة، في واقعة أعادت إلى الواجهة إشكالية حرية العمل الصحفي وحق الإعلاميين في الوصول إلى مصادر المعلومة، خصوصاً في اللحظات التي تكون فيها الحاجة إلى التغطية المهنية المستقلة أكثر إلحاحاً.
وتفيد المعطيات التي أوردتها الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال بأن الطاقم الصحفي للقناة الثانية، الذي كان يستعد لإنجاز روبورتاجات حية حول أوضاع الهجرة، واجه صعوبات عند المعبر الحدودي وميناء سبتة، بينما أظهرت صورة مرفقة بالبلاغ الزميلين عبد الرحيم البوحديوي ومحمد بوبكر وهما يتفاوضان مع عناصر الحرس المدني الإسباني بشأن تحرير تجهيزات الطاقم وسيارة الخدمة، والحصول على الإذن بمواصلة العمل الصحفي ميدانياً.
وتضع هذه الواقعة مسألة الوصول إلى المعلومة في صلب النقاش، إذ لا يمكن للصحافة أن تؤدي وظيفتها كاملة إذا ظل الصحفي بعيداً عن مكان الحدث، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأزمة إنسانية وميدانية تتقاطع فيها قضايا الهجرة والحدود والحقوق الأساسية. فالمعلومة التي لا يصل إليها الصحفي من مصدرها تظل عرضة للتأويل والاجتزاء وإعادة الإنتاج خارج سياقها.
وفي هذا السياق، أعلنت الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام والاتصال تضامنها مع طاقم القناة الثانية، مستنكرة ما وصفته بالتضييق على الصحفيين، ومؤكدة أن الظروف الاستثنائية والتوترات الميدانية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتقييد العمل الصحفي أو الانتقاص من حق الإعلاميين في ممارسة مهامهم المهنية.
غير أن الجامعة لم تحصر موقفها في واقعة التضييق على الطاقم الصحفي، بل وضعت أيضاً جانباً آخر من الأزمة تحت المجهر، يتعلق بالتغطيات الإعلامية التي رافقت الأحداث، بعدما سجلت ما اعتبرته انزلاقات مهنية وأخلاقية لدى بعض المنابر والمنصات الرقمية.
وتتمثل أبرز الملاحظات التي أثارتها الجامعة في تداول صور ومقاطع قديمة أو مجتزأة من سياقاتها، ونشر معطيات غير موثقة، والترويج لمضامين لم تخضع، بحسب موقفها، للتحقق المهني الكافي، وهي ممارسات من شأنها أن تزيد منسوب التضليل في لحظة يكون فيها الجمهور في حاجة إلى المعلومة الدقيقة لا إلى المزيد من الالتباس.
وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق الأمر بالقاصرين الذين يوجدون في وضعيات إنسانية صعبة. فالتغطية الصحفية لا تمنح أي مؤسسة أو منصة حق التعامل مع الأطفال باعتبارهم مادة مفتوحة للعرض، كما أن احترام خصوصيتهم وحماية هويتهم وسلامتهم النفسية والجسدية ينبغي أن يظل أولوية مهنية وأخلاقية، مهما كانت أهمية الحدث أو حجم الاهتمام الإعلامي به.
كما حذرت الجامعة من تغليب منطق الإثارة والمشاهدات على حساب المسؤولية الصحفية، معتبرة أن بعض المضامين التي تُنتج تحت ضغط التفاعل الرقمي قد تنقل الصحافة من وظيفتها الأساسية، المتمثلة في الإخبار والتحقق والتفسير، إلى صناعة محتوى يستثمر في الصدمة والمأساة الإنسانية لتحقيق الانتشار.
وتكشف هذه المعادلة عن مفارقة لا يمكن تجاهلها: فبينما يحتاج الجمهور في أوقات الأزمات إلى صحافة مهنية حاضرة في الميدان، يمكن أن يؤدي التضييق على الصحفيين من جهة، والانفلات المهني من جهة أخرى، إلى النتيجة نفسها، وهي ترك مساحة واسعة للشائعات والمعلومات المضللة.
فالفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغاً. وعندما يغيب الصحفي الذي يتحقق من المعلومة ويضعها في سياقها، تتقدم مكانه الصور المجهولة المصدر، والمقاطع المعاد تدويرها، والروايات المتضاربة، والحسابات التي لا تخضع لأي التزام مهني أو مسؤولية تحريرية.
ومن هذا المنطلق، تبدو مطالبة الجامعة بتعزيز الحق في الحصول على المعلومة الدقيقة وفي الوقت المناسب ذات أهمية خاصة، لأن مواجهة التضليل لا تكون بحجب المعطيات، وإنما بتمكين الصحافة المهنية من الوصول إليها والتحقق منها وتقديمها للرأي العام بمسؤولية.
إن الدفاع عن حرية الصحافة لا يعني التساهل مع الأخطاء المهنية، كما أن التشديد على أخلاقيات المهنة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتقييد الصحفيين. فالمعادلة السليمة تقوم على احترام الأمرين معاً: صحافة حرة ومسؤولة، ومعلومة دقيقة ومتاحة، وكرامة إنسانية لا تتحول إلى مادة للاستهلاك الإعلامي.
وفي نهاية المطاف، فإن ما جرى مع طاقم القناة الثانية، كما عرضته الجامعة، يتجاوز حدود واقعة مهنية عابرة، لأنه يعيد طرح سؤال جوهري حول مكانة الصحافة في لحظات الأزمات: هل يُنظر إلى الصحفي باعتباره شريكاً في نقل الحقيقة، أم باعتباره طرفاً ينبغي إبعاده عن المشهد؟
الجواب لا ينبغي أن يكون موضع خلاف. ففي الأزمات تحديداً، تحتاج المجتمعات إلى مزيد من الصحافة المهنية، لا إلى مزيد من الحواجز أمامها؛ وإلى مزيد من التحقق، لا إلى مزيد من الشائعات؛ وإلى إعلام يحمي الإنسان وكرامته، لا إلى منصات تجعل من مآسيه وقوداً للانتشار.
فالصحفي المهني لا يصنع الأزمة، ولا يملك حق تغيير الوقائع؛ مهمته أن يصل إليها، يتحقق منها، ثم ينقلها للرأي العام كما هي. وحين يُغلق الطريق أمام الكاميرا، لا تتوقف الأحداث، وإنما تتوقف إحدى أهم وسائل المجتمع في رؤية ما يحدث.
التعليقات