الصحراء.. مفاوضات 2026 تنتقل إلى مرحلة اتفاق الإطار والحكم الذاتي
هوسبريس – خالد غوتي
دخل المسار السياسي لنزاع الصحراء مرحلة جديدة خلال سنة 2026، بعدما انتقلت المفاوضات التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، من مرحلة تبادل المواقف إلى بحث ترتيبات عملية لمرحلة انتقالية، بالتوازي مع إعداد مشروع اتفاق إطار يمكن أن يشكل أرضية لمفاوضات أكثر تفصيلا بشأن الحكم الذاتي.
ويكشف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، المؤرخ في فاتح أكتوبر الجاري، أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 منح دفعة جديدة للمسار السياسي، ومكّن دي ميستورا، بتنسيق مع الولايات المتحدة، من إعادة إطلاق اتصالات مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، بعد سنوات من الجمود.
ثلاث جولات أعادت تحريك المفاوضات
شهدت بداية سنة 2026 ثلاث جولات رفيعة المستوى، شارك فيها المغرب والجزائر وموريتانيا على مستوى وزراء الخارجية، فيما مثلت جبهة البوليساريو شخصية مكلفة بملف السياسة الخارجية.
وجرت المباحثات برئاسة مشتركة بين دي ميستورا والممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، وبمشاركة مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس ومسؤولين أمريكيين آخرين.
واحتضنت واشنطن يومي 18 و19 يناير الجولة الأولى، حيث قدم المغرب نسخة موسعة من مقترح الحكم الذاتي الذي سبق أن عرضه سنة 2007، وأجاب عن الأسئلة والملاحظات التي طرحتها الأطراف والرئاسة المشتركة.
وأبدى المغرب، وفق التقرير الأممي، استعداده للعمل مع جبهة البوليساريو من أجل التفاوض حول حل مقبول من الطرفين، بينما قدمت الجبهة تصوراتها الخاصة استنادا إلى وثيقة كانت قد أحالتها على الأمين العام للأمم المتحدة في أكتوبر 2025.
وترى الأمم المتحدة أن الجولة الأولى ساهمت في توضيح مواقف الأطراف وتهيئة أرضية أولية لبناء الثقة، قبل الانتقال خلال الجولة الثانية إلى مناقشة أكثر تفصيلا للترتيبات المرتبطة بالحل السياسي.
“مجلس انتقالي” وترتيبات لمرحلة جديدة
وخلال الجولة الثانية التي احتضنتها مدريد يومي 8 و9 فبراير، انتقلت المفاوضات إلى مناقشة ترتيبات أكثر عملية، من بينها إمكانية إنشاء “مجلس انتقالي” يتولى تدبير عدد من الملفات خلال مرحلة انتقالية محتملة.
كما بحث المشاركون قضايا تقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والتدابير الأمنية والأنظمة الانتخابية، إلى جانب دور الأطراف الدولية والضمانات المطلوبة لتنفيذ أي اتفاق مستقبلي.
وفي السياق ذاته، طرحت موريتانيا الحاجة إلى تشكيل لجنة تعمل على أساس توافقي من أجل توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للمنطقة المتنازع عليها.
وبعد هذه الجولة، باشرت فرق من الأمم المتحدة والولايات المتحدة إعداد مشروع أولي لاتفاق إطار يتعلق بمرحلة انتقالية محتملة، فضلا عن صياغة مقترحات توفيقية بشأن عدد من الملفات التي ظلت محل خلاف.
السيادة وتقرير المصير في صلب الجولة الثالثة
وشكلت الجولة الثالثة، التي انعقدت في واشنطن يومي 23 و24 فبراير، محطة أكثر حساسية، بعدما فتح المشاركون نقاشا مباشرا حول ملفي السيادة وتقرير المصير.
وبحسب تقرير الأمين العام، ظلت الخلافات كبيرة بين الأطراف بشأن هذين الملفين، ما دفع الرئيسين المشتركين للمفاوضات إلى إجراء مشاورات منفصلة مع كل طرف، بحثا عن نقاط يمكن أن تسمح بتقليص هوة الخلاف.
وخلال مختلف مراحل المفاوضات، شدد دي ميستورا على أن أي مقترح للحكم الذاتي يجب أن يستجيب لأعلى المعايير الدولية، وأن الانتقال إلى حكم ذاتي حقيقي يحتاج إلى ضمانات دولية قوية.
كما أكد ضرورة أن يتضمن أي حل سياسي عملية تشاور ذات معنى مع الصحراويين، باعتبار ذلك عنصرا أساسيا في أي تسوية مرتبطة بمبدأ تقرير المصير.
دي ميستورا يواصل المشاورات ويعدل اتفاق الإطار
ولم تتوقف جهود الوساطة بعد الجولات الثلاث، إذ واصل دي ميستورا لقاءاته مع مختلف الأطراف، فالتقى ممثلي جبهة البوليساريو في بروكسيل، ومسؤولين جزائريين، ثم مسؤولين مغاربة في نيويورك، قبل أن يتوجه إلى تندوف للقاء قيادة الجبهة، بمن فيها أمينها العام إبراهيم غالي.
كما عقد المبعوث الأممي لقاءات مع وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف والرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني.
وخلال هذه الاتصالات، جددت الأطراف التزامها بالمسار السياسي، لكنها أقرت في المقابل بأن غياب الثقة، خصوصا بين المغرب وجبهة البوليساريو، لا يزال يمثل عقبة رئيسية أمام التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ.
وبناء على نتائج هذه المشاورات، أعاد دي ميستورا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، صياغة مشروع اتفاق الإطار الخاص بالمرحلة الانتقالية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، إذ يمكن لاعتماد الاتفاق أن يوفر قاعدة للتفاوض بشأن نموذج مفصل للحكم الذاتي، بالتوازي مع إطلاق مسار للتشاور مع سكان المنطقة.
تحولات دولية تعزز موقع المقترح المغربي
وتزامن هذا الحراك مع استمرار التحولات في مواقف عدد من الدول بشأن قضية الصحراء، وأشار التقرير إلى أن السويد وسويسرا عبرتا عن دعمهما لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسا للمفاوضات، بينما علقت مالي وهندوراس اعترافهما بما يسمى “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”. كما علقت بوليفيا علاقاتها الدبلوماسية بهذا الكيان في فبراير 2026، في وقت جددت فيه مدغشقر وكندا واليابان دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي.
وفي يناير 2026، حدث الاتحاد الأوروبي موقفه الجماعي ليؤكد أن المفاوضات ينبغي أن تتخذ من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا لها.
وتأتي هذه التحولات في وقت كثف فيه دي ميستورا اتصالاته مع العواصم والشركاء الدوليين، في مسعى لتوفير دعم أوسع للمسار السياسي وتثبيت أرضية دولية مساندة للتسوية.
حراك سياسي يقابله توتر ميداني
ورغم التطورات الدبلوماسية، لم تشهد المنطقة هدوءا مماثلا على المستوى الميداني، إذ تحدث تقرير الأمين العام عن استمرار التوتر والأعمال العدائية منخفضة الحدة بين المغرب وجبهة البوليساريو.
وسجلت بعثة الأمم المتحدة تقارير عن إطلاق نار باتجاه وحدات للجيش المغربي بالقرب من الجدار الرملي، إلى جانب تقارير عن ضربات بطائرات مسيرة شرق الجدار.
وفي 5 ماي، وقع حادث إطلاق نار في السمارة بمنطقة يوجد فيها مدنيون، وأسفر عن إصابة مدني واحد وأضرار مادية. كما حققت البعثة في حوادث مرتبطة بضربات بطائرات مسيرة في منطقة ميجك، بينها حادث وقع في دجنبر 2025 وضربتان سجلتا خلال يونيو 2026.
وتعكس هذه التطورات استمرار الفجوة بين المسار السياسي والمشهد الميداني، حيث تتحرك المفاوضات نحو البحث عن تسوية، بينما لا تزال المنطقة عرضة لحوادث أمنية متفرقة.
المينورسو أمام تحديات ميدانية ومالية
وبلغ قوام المكون العسكري لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء، إلى غاية 15 غشت 2026، 155 عنصرا، بينهم 27 امرأة. وخلال الفترة التي يغطيها التقرير، نفذت البعثة دوريات برية غطت حوالي 296 ألفا و164 كيلومترا، فضلا عن 152 رحلة استطلاع جوي وأكثر من 8 آلاف زيارة إلى مقرات ووحدات ونقاط مراقبة تابعة للجيش المغربي غرب الجدار.
في المقابل، استمرت القيود على تحركات البعثة شرق الجدار، بما في ذلك نطاق 20 كيلومترا حول مواقع فرقها، مع قيود إضافية في منطقتي تيفاريتي وميجك، فضلا عن استمرار منع رحلات الاستطلاع بالمروحيات منذ نونبر 2020.
ويظل خطر الألغام ومخلفات الحرب أحد أبرز التحديات التي تواجه البعثة، حيث نفذت فرق الأمم المتحدة المختصة 1330 مهمة خلال الفترة الممتدة من فاتح أكتوبر 2025 إلى 30 شتنبر 2026.
كما جرى تقييم أكثر من 12 ألفا و401 كيلومتر من الطرق شرق الجدار، وتطهير نحو مليون و794 ألف متر مربع، في وقت لا تزال فيه مناطق أخرى بحاجة إلى عمليات إزالة الألغام ومخلفات الحرب.
وفي الجانب المالي، بلغت المتأخرات من المساهمات المقررة لتمويل بعثة المينورسو حوالي 80.3 مليون دولار إلى غاية 20 غشت 2026، وهو ما يضغط على عدد من أنشطة البعثة، خصوصا المراقبة العسكرية وإزالة الألغام والطيران والخدمات الطارئة.
غوتيريش يدفع نحو “حكم ذاتي حقيقي”
وفي أبرز خلاصاته السياسية، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أطراف النزاع إلى اغتنام فرصة استئناف الاتصالات المباشرة والانخراط في مفاوضات جادة وبحسن نية تحت رعاية مبعوثه الشخصي.
كما دعا إلى استكشاف إمكانية إقامة حكم ذاتي حقيقي لسكان الصحراء، معتبرا أن هذا الخيار يمكن أن يمثل “النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق”، وفقا لما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 2797.
ويربط غوتيريش هذا المسار بمشروع اتفاق الإطار الذي يعمل عليه دي ميستورا، باعتباره مدخلا لمرحلة انتقالية يمكن أن تتيح مواصلة المفاوضات في ظروف أفضل.
في المقابل، يشدد التقرير على ضرورة أن تتضمن أي تسوية نهائية عملية تشاور ذات معنى مع سكان الصحراء، بما يضمن لهم حرية الاختيار بشأن الحل المطروح.
مرحلة جديدة أمام اختبار صعب
وتشير خلاصات التقرير الأممي إلى أن ملف الصحراء انتقل فعلا إلى مرحلة تفاوضية مختلفة، بعدما أصبح النقاش يتناول، إلى جانب جوهر الحل، ترتيبات المرحلة الانتقالية والضمانات الدولية والقضايا الأمنية والمؤسساتية.
غير أن الوصول إلى اتفاق نهائي سيظل مرتبطا بقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات العميقة بشأن السيادة وتقرير المصير، فضلا عن بناء مستوى من الثقة يسمح بتحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ.
وبينما يواصل دي ميستورا العمل على صياغة اتفاق الإطار، وتتواصل التحولات في مواقف عدد من الدول لصالح مقترح الحكم الذاتي المغربي، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان الزخم الدبلوماسي الذي عرفه الملف خلال 2026 سيقود إلى تسوية سياسية، أم أن الملفات الأكثر حساسية ستظل عائقا أمام إنهاء نزاع طال أمده.
التعليقات