السبت، 8 أغسطس 2026
تربوية

الأساس التشريعي لرسوم التسجيل في التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر: قراءة في مستجدات القانون رقم 59.24

الأساس التشريعي لرسوم التسجيل في التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر: قراءة في مستجدات القانون رقم 59.24

بقلم/ مرية بوجداين

يشهد التعليم العالي، في مختلف النظم القانونية المعاصرة، تحولاً عميقاً في فلسفته ووظائفه، فلم يعد مقتصراً على مرحلة عمرية معينة أو على مسار أكاديمي ينتهي بالحصول على أول شهادة جامعية، بل أصبح أحد أهم أدوات التعلم مدى الحياة، ووسيلة استراتيجية لتأهيل الرأسمال البشري ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية. وانطلاقاً من هذا التحول، لم تعد الجامعة العمومية تؤدي وظيفة تقليدية تتمثل في تكوين الطلبة قبل اندماجهم في سوق الشغل، وإنما أصبحت مطالبة أيضاً بتمكين المهنيين والموظفين والأجراء من استكمال مساراتهم الأكاديمية وتطوير كفاءاتهم بما ينسجم مع متطلبات التنمية وتحديث الإدارة والاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، جاء القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ليكرس تحولاً تشريعياً مهماً من خلال إقرار التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر، باعتباره نمطاً تنظيمياً جديداً يتيح لفئة مندمجة في الحياة المهنية متابعة دراستها في أسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه، في إطار يوفق بين الالتزامات المهنية ومتطلبات التكوين الجامعي، مع الحفاظ على جودة التكوين وقيمة الشهادة الوطنية.

غير أن اعتماد رسوم التسجيل الخاصة بهذا النمط من التكوين أثار نقاشاً واسعاً، اختزل في كثير من الأحيان الإصلاح برمته في عنصر الأداء، وربطه بمبدأ مجانية التعليم العالي، دون التمييز بين التكوين الأساسي في مساره العادي، الذي ظل خاضعاً للمجانية، وبين التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر، الذي يستجيب لوضعية قانونية وتنظيمية مختلفة تستهدف فئة تمارس نشاطاً مهنياً وتحتاج إلى تنظيم زمني خاص يسمح لها بالجمع بين العمل واستكمال الدراسة، مع المحافظة في الوقت نفسه على انتظام المرافق العمومية والخاصة وجودة التكوين الجامعي.

والواقع أن جوهر الإصلاح لا يكمن في إقرار رسوم التسجيل، وإنما في إرساء نظام قانوني جديد للتكوين الأساسي لفائدة المهنيين، وهو ما يقتضي قراءة النص التشريعي في شموليته، بعيداً عن اختزال النقاش في الجانب المالي وحده.

وتكتسي المادة 81 من القانون رقم 59.24 أهمية خاصة، لأنها تؤسس لأول مرة لسند تشريعي صريح ينظم هذا النمط من التكوين. فقد نصت على أنه يجوز لمؤسسات التعليم العالي تنظيم تكوينات مؤدى عنها في إطار التكوين الأساسي الملقن بالتوقيت الميسر وفي إطار التكوين المستمر، وهو ما يعني أن المشرع لم يكتف بالسماح باستخلاص رسوم التسجيل، بل ميز بوضوح بين نظامين قانونيين مستقلين، لكل منهما غايته وأحكامه وآثاره.

ويتمثل أول مستجد تشريعي في إقرار أساس قانوني مباشر لرسوم التسجيل، بعدما كان تنظيم هذا المجال يتم في إطار ممارسات مؤسساتية لم تستند إلى تنظيم تشريعي صريح بالنسبة للتكوين الأساسي الموجه للمهنيين. وبهذا يكون المشرع قد كرس مبدأ الشرعية، باعتبار أن فرض أي مساهمة مالية في إطار مرفق عام يجب أن يستند إلى نص قانوني واضح يحدد مجال تطبيقه وطبيعته.

أما المستجد الثاني، فيتجلى في إضفاء صفة التكوين الأساسي على التكوين الملقن بالتوقيت الميسر. وهذه مسألة ذات أهمية قانونية بالغة، لأن المشرع لم يعتبر هذا التكوين مجرد تكوين مستمر أو تكوين مواز، وإنما أدرجه ضمن منظومة التكوين الأساسي المعتمد، مع اختلاف يقتصر على تنظيم الزمن الجامعي والفئة المستفيدة منه. ويؤكد هذا التوجه أيضاً تعريف التكوين الأساسي الوارد في المادة الثانية من القانون، الذي ينص على أنه يلقن في التوقيت العادي أو التوقيت الميسر، وهو ما يدل على أن الاختلاف بين النظامين تنظيمي وليس اختلافاً في الطبيعة القانونية للتكوين أو في قيمة الشهادة.

أما المستجد الثالث، فيتمثل في تكريس التمييز القانوني بين التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر والتكوين المستمر. فقد ألزم المشرع بأن تحمل شهادات التكوين المستمر عبارة “تكوين مستمر”، وهو ما يؤكد اختلاف الطبيعة القانونية والآثار الأكاديمية والمهنية لكل من النظامين. ويترتب على ذلك أن التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر يؤدي، متى استوفيت شروطه الأكاديمية، إلى شهادة وطنية تخضع للقواعد نفسها المطبقة على التكوين الأساسي في التوقيت العادي، بخلاف التكوين المستمر الذي يحتفظ بخصوصيته القانونية.

ومن ثم، فإن المستجد الحقيقي الذي جاء به القانون رقم 59.24 لا يتمثل في إقرار رسوم التسجيل، وإنما في إعادة بناء النظام القانوني للتكوين الجامعي الموجه للمهنيين، من خلال نقلهم من إطار التكوين المستمر إلى إطار التكوين الأساسي بالتوقيت الميسر، بما يحقق وضوحاً أكبر في المركز القانوني للطالب المهني، ويعزز الأمن القانوني من خلال تحديد طبيعة التكوين والشهادة وآثارها منذ بداية المسار الدراسي.

وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى رسوم التسجيل باعتبارها ثمناً للشهادة الوطنية أو مقابلاً للحق في التعليم، لأن هذا الحق يظل مضموناً في إطار التكوين الأساسي العادي الذي لم يمسه القانون بأي تغيير. وإنما تمثل هذه الرسوم مساهمة في تغطية التكاليف المرتبطة بتنظيم خدمة جامعية تقدم وفق شروط تنظيمية خاصة، تقتضي تعبئة الموارد البشرية والبنيات الجامعية خارج التوقيت العادي، مع المحافظة على المستوى نفسه من التأطير البيداغوجي والتقييم الأكاديمي ومعايير الجودة.

ومن منظور القانون العام، فإن الرسوم المفروضة في إطار خدمة عمومية لا تفقد مشروعيتها متى استندت إلى سند تشريعي، وارتبطت بتنظيم خدمة ذات خصوصية، ولم تمس بجوهر الحق الذي يكفله الدستور. وهذا ما ينسجم مع فلسفة القانون رقم 59.24، الذي حافظ على مجانية التكوين الأساسي في مساره العادي، واستحدث في المقابل تنظيماً خاصاً لفئة مهنية تتمتع بوضع قانوني مختلف، بما يحقق التوازن بين الحق في التعلم مدى الحياة، واستمرارية المرفق العام، وجودة التعليم العالي، واستدامة الخدمات الجامعية.

وبذلك يتضح أن النقاش حول رسوم التسجيل لا ينبغي أن ينصرف إلى عنصر الأداء في حد ذاته، وإنما إلى البناء القانوني الذي استحدثه المشرع. فالقانون رقم 59.24 لم ينشئ أداءً مقابل التعليم، وإنما أرسى نظاماً قانونياً جديداً للتكوين الأساسي بالتوقيت الميسر، وميزه عن التكوين المستمر، ووفر له سنداً تشريعياً صريحاً، مع الإبقاء على مجانية التكوين الأساسي في مساره العادي. ومن ثم، فإن تقييم هذا الإصلاح يقتضي قراءة متكاملة للنصوص القانونية ولمقاصدها، بعيداً عن اختزالها في الجانب المالي، لأن جوهر الإصلاح يتمثل في توسيع الحق في التعلم مدى الحياة، وتعزيز الأمن القانوني، وصيانة جودة الشهادة الوطنية، بما يخدم الجامعة العمومية ويواكب حاجيات المجتمع والدولة.

مرية بوجداين عميدة كلية العلوم القانونية والسياسية بتطوان .

شارك هذا الخبر:

التعليقات

اترك تعليقاً