سانشيز بين غزة وسبتة.. ازدواجية المعايير تسقط خطاب الإنسانية
هوسبريس-خالد غوتي
لا أؤمن بالإنسانية التي تُمارس بالقطعة، ولا بحقوق الإنسان التي تتغير بتغير الجغرافيا أو المصالح السياسية. فالإنسانية الحقيقية لا تعرف الحدود، ولا تفرق بين ضحية وأخرى، ولا تكتسب قيمتها من جنسية المدني أو من موقع المأساة على الخريطة.
منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، حرص رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز على الظهور في صورة السياسي المدافع عن القانون الدولي الإنساني، والرافض لاستهداف المدنيين، والداعي إلى وقف معاناتهم. وقد نال بسبب تلك المواقف إشادة واسعة داخل أوروبا وخارجها، باعتباره أحد أبرز الأصوات الأوروبية التي رفعت شعار الدفاع عن الإنسانية.
غير أن هذه الصورة، في تقديري، تعرضت لامتحان حقيقي عندما تعلق الأمر بمدينة سبتة، المدينة المغربية التي لا تزال خاضعة للإدارة الإسبانية. هنا، لم يعد الخطاب هو نفسه، ولم تعد اللغة الإنسانية هي العنوان الأبرز، بل حضرت المقاربة الأمنية بكل تفاصيلها، لتطرح سؤالًا كبيرًا حول مدى انسجام الأقوال مع الممارسة.
لقد كشفت الأحداث التي عرفتها سبتة، أن المبادئ تصبح أقل حضورًا عندما تمس القضايا المصالح الإسبانية. ولذلك، فإن زيارة سانشيز إلى المدينة لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل حملت دلالات سياسية عميقة، وبدت وكأنها رسالة تؤكد التشبث بالأمر الواقع، متجاهلة ما أثارته طريقة التعامل السيئة إن لم نقل البشعة مع عدد من المغاربة الذين حاولوا الوصول إلى المدينة من انتقادات حقوقية وإعلامية.
ولسنا هنا بصدد المقارنة بين السياقات السياسية أو القانونية المختلفة، لكنني أتحدث عن مبدأ واحد لا يقبل التجزئة: إذا كانت حماية المدنيين واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا في غزة، فإن الكرامة الإنسانية يجب أن تكون حاضرة أيضًا في كل مكان آخر، دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
إن ما يضعف أي خطاب حقوقي ليس اختلاف المواقف السياسية، وإنما التناقض بين ما يُقال على المنابر الدولية وما يُفهم من الممارسات عندما تصبح الدولة نفسها معنية بالملف. فالمبادئ لا تُختبر في القضايا البعيدة، وإنما عندما تفرض على أصحاب القرار اتخاذ مواقف تمس مصالحهم المباشرة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن سبتة لم تكن مجرد محطة سياسية في أجندة رئيس الحكومة الإسبانية، بل شكلت اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الخطاب الإنساني الذي يتبناه. لأن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يكتمل إذا اقتصر على الأزمات البعيدة، بينما تتراجع نبرته كلما اقتربت الأحداث من الحدود الوطنية.
التاريخ لا يتذكر كثرة الخطب، بل يتذكر مدى اتساق أصحابها مع مبادئهم. والإنسانية، إذا فقدت اتساقها، تحولت إلى شعار سياسي أكثر منها قيمة أخلاقية. لذلك، فإن أي خطاب عن حقوق الإنسان لن يحافظ على قوته ومصداقيته ما لم يُطبق بالمعيار نفسه، مهما اختلفت الجغرافيا، ومهما تغيرت هوية الضحايا، ومهما تعارض ذلك مع حسابات السياسة.
التعليقات