رأي..هل حان الوقت ليتحول البيجيدي إلى حزب علماني ـ مدني؟

شكير بوشعيب

فور إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب و إسرائيل ، بدأت تحليلات وتعليقات عدد من المتابعين و النشطاء المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى التذكير بمواقف حزب العدالة والتنمية، الذي يقود الائتلاف الحكومي، من التطبيع مع الكيان الصهيوني.

وقد جاء البيان الصادر عن الأمانة العامة للحزب يوم 12 ديسمبر 2020 حول هذا الموضوع ليثير الكثير من التساؤلات حول الموقف الرسمي للحزب من مسألة التطبيع ، حيث اكتفى البيان ب”التذكير بمواقف الحزب الثابتة من الاحتلال الصهيوني وما يقترفه ضد الشعب الفلسطيني من جرائم تقتيل وتشريد وعدوان على المقدسات”، لكنه لم يرقَ لمستوى طموحات الشارع المغربي الذي كان ينتظر من الحزب الخروج ببيان واضح وصريح وموقف حاسم يدين عملية التطبيع بدل نهج سياسة المراوغة والتعويم والاختباء وراء المصطلحات والكلمات.

الحزب اليوم وهو على مشارف الحملة الدعائية للانتخابات المقبلة يوجد في وضع محرج و صعب للغاية، فلا هو قادر على مواجهة قرارات القصر أو الإنسحاب من الحكومة، حفاظا على وضعيته وثقة الملك فيه، ولا هو قادر على مواجهة وإقناع قواعده المحافظة بجدوى ومصداقية قراراته المناقضة لمواقفه العروبية السابقة وأجندته المعلنة، وكذلك لبنود برنامجه الانتخابي، خاصة المادة 724 من برنامجه التي تقول ” إنه سيعمل على مضاعفة الدعم والنصرة للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية وطنية ورفع المساندة له، من أجل ضمان حقه قي تقرير المصير ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني”.

لكن الخطير في الأمر أن هذا الإنقلاب في مواقف الحزب في قضية تعتبر عقدية بالنسبة للمنتسبين إليه سيفتح الباب أمام التشكيك في المرجعية الإسلامية التي يتبناها في خطابه السياسي ومدى صمودها أمام الإغراءات والضغوطات والواقعية السياسية العمياء التي ينهجها الحزب، إذ ان السياسي عندما يقر بأن مرجعيته السلوكية والأخلاقية إسلامية، فان معنى ذلك، أنه يتبنى كشخص أخلاقيات تمنعه من كل الانزلاقات المخالفة للأخلاق، كالكذب على المواطنين مثلا أو تزييف الحقائق والسكوت عن قول الحق وفضح الفساد، واحترام المواثيق والوعود. وهي كلها مقومات رئيسية للدين الإسلامي، ولا يمكن للشخص أن يقدم نفسه مدافعا عن المبادئ والقيم الإسلامية دون أن يحرص على الالتزام بمضمونها في ممارساته وفي مواقفه.

فهل احترم الحزب تلك الأسس الدينية التي يفترض أنها تشكل لبنات البناء المرجعي لديه، فمثلا هل تبنى في تدبيره الحكومي وعود “إسقاط الفساد والاستبداد” ومحاكمة المفسدين والمتورطين في الاستبداد والشطط في استخدام السلطة، وهل فضح وزراؤه الاختلالات التي وجدوها في مكاتبهم الوزارية، أو هل أمر رئيس الحكومة بالتحقيقات في كل تلك التجاوزات الأمنية الخطيرة في حق المتظاهرين.

كل تلك الوعود اصطدمت خلال لحظة مجابهة الأمر الواقع، بالحقيقة التي سعى الحزب طيلة ولايته الأولى والثانية إلى تغليفها بغلاف الإكراهات والمبررات الواهية، وهي لحظة كان يفترض أن تؤكد فيها قيادة الحزب مواقفها وقناعاتها المستمدة من العقيدة، وأن تعلن تشبثها بمبادئ الميثاق الأخلاقي للحزب المفترض أنه تأسس على مقومات المرجعية الإسلامية.

ولما كانت كل وعود “العدالة والتنمية”، قبل وخلال الانتخابات، انطلقت في كثير منها بغلاف ديني، فإن لحظة الفشل الذريع هذه، التي وقع فيها الحزب، تفرض عليه اتخاذ خطوة تاريخية لإنقاذ شعبيته وما تبقى من مصداقيته، وذلك من خلال إخضاع أيديولوجيته لمراجعة عميقة.

وبكل وضوح نقول، انه حان الوقت لإعلان القطيعة مع الخلط بين ما هو ديني و ما هو سياسي والتحول إلى حزب علماني مدني،  لأن كل محاولات الحزب للمواءمة بين مبادئه وطهرانيته الدينية وبراغماتيته السياسية باءت بالفشل وأدخلته في تناقضات لاحصر لها، آخرها السقوط المدوي في فخ التطبيع مع إسرائيل والذي كان إلى وقت قريب يعد في أدبيات الحزب خيانة عظمى ومن الخطوط الحمراء والثوابث التي لايمكن التفريط فيها تحت أي مبرر من المبررات.

لذلك سأختم مقالتي هاته بترديد ماقاله الفيلسوف والمفكر الأمريكي مايكل نوفاك “لاحدود معروفة لقدرة الإنسان على خداع نفسه”، كما يقال أيضا أن اقدم وأسوأ أشكال الخديعة هو أن نخدع أنفسنا.

اترك تعليقاً