الإعلام يصنع الإنصاف… أو يكرس إقصاء الأشخاص في وضعية إعاقة
هوسبريس-سيداتي بيدا
يفرضُ التحول الذي تعرفه قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة على الإعلام مراجعةً جادة لخطابه وأدواته، بعدما لم يعد مقبولاً أن يظل حضور هذه الفئة محصوراً في التغطيات الموسمية أو مرتبطاً بخطابات الشفقة والإحسان. فالمعيار الحقيقي اليوم هو قدرة وسائل الإعلام على ترسيخ ثقافة الحقوق، وإبراز الكفاءات، وفتح المجال أمام الجميع للمشاركة في صناعة الرأي العام دون تمييز.
وفي هذا الإطار، يكتسي اللقاء التواصلي حول “الإعلام وقضايا الأشخاص في وضعية إعاقة”، المرتقب تنظيمه بمدينة العيون، أهمية خاصة، لأنه يضع الإعلام أمام مسؤولية تتجاوز نقل الأحداث إلى المساهمة في تغيير العقليات، وتصحيح الصور النمطية التي ظلت لسنوات تحجب الإمكانات الحقيقية للأشخاص في وضعية إعاقة.
فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح أحد أهم الفاعلين في تشكيل الوعي المجتمعي، وصناعة الصورة الذهنية، والتأثير في السياسات العمومية. ومن هنا، فإن طريقة تناول قضايا الإعاقة تعكس مستوى احترام المجتمع لحقوق الإنسان، بقدر ما تكشف مدى التزام المؤسسات الإعلامية بأخلاقيات المهنة ورسالتها التنويرية.
لقد أثبت الواقع أن الإعاقة لا تحد من الكفاءة، وإنما تكشف حجم العراقيل التي يفرضها غياب الولوجيات، وضعف فرص التكوين، واستمرار بعض الممارسات التي تقصي الكفاءات بدل احتضانها. لذلك، فإن الانتقال إلى إعلام دامج لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات الحقوقية التي يشهدها المغرب والعالم.
ولم يعد المطلوب أن يظهر الأشخاص في وضعية إعاقة داخل التقارير والبرامج بوصفهم موضوعاً للحديث، بل أن يكونوا جزءاً من صناعة المحتوى الإعلامي نفسه، بصفتهم صحفيين، ومقدمين، ومحللين، ومنتجين، وخبراء، يشاركون في صياغة النقاش العمومي انطلاقاً من كفاءاتهم وخبراتهم، لا من وضعيتهم الاجتماعية أو الصحية.
وفي المقابل، يواصل المجتمع المدني أداء دور أساسي في الترافع من أجل الحقوق، ومواكبة السياسات العمومية، واقتراح المبادرات الكفيلة بتوسيع فرص الإدماج في مختلف المجالات. وقد أثبتت التجارب أن الشراكة بين المؤسسات والجمعيات والإعلام قادرة على إحداث تحول حقيقي عندما يكون الإنسان محور الاهتمام، والكرامة أساس كل المبادرات.
كما أن مؤسسات التكوين الإعلامي مطالبة اليوم بإعداد جيل جديد من الصحفيين يمتلك المعرفة القانونية والحقوقية المرتبطة بالإعاقة، ويؤمن بأن الكلمة قد تفتح أبواب الإدماج كما قد تكرس الإقصاء، وأن الصورة المهنية المسؤولة قادرة على تغيير العقليات أكثر من آلاف الشعارات.
إن بناء مجتمع دامج لا يتحقق بإصدار القوانين وحدها، وإنما يحتاج إلى إعلام واعٍ بمسؤوليته، ومؤسسات تؤمن بالمساواة، وسياسات تجعل تكافؤ الفرص ممارسة يومية لا شعاراً مناسباتياً. فالإدماج الحقيقي يبدأ عندما تصبح الكفاءة وحدها معيار الحضور، ويختفي كل شكل من أشكال التمييز المبني على الاختلاف.
ويحمل اللقاء المرتقب بمدينة العيون رسالة بالغة الدلالة، مفادها أن الإعلام المسؤول لا يكتفي بإيصال صوت الأشخاص في وضعية إعاقة، بل يمنحهم مكانهم الطبيعي داخل المشهد الإعلامي، باعتبارهم شركاء في إنتاج المعرفة، وصناعة الوعي، والمساهمة في بناء مجتمع يؤمن بأن الاختلاف مصدر غنى، وأن المواطنة الكاملة حق لا يقبل التجزئة أو التأجيل.
التعليقات