حديقة محمد الخامس بالجديدة.. أشغال متواصلة وأسئلة حول مآل المشروع
هوسبريس
تتقدم أشغال تهيئة حديقة محمد الخامس بمدينة الجديدة، لكن الصورة التي ينتظرها الجديديون عن هذا الفضاء التاريخي ما تزال غائبة خلف أسوار الورش. وبين حركة العمال والمعدات، تتسع دائرة التساؤلات حول المشروع الذي يعاد رسم ملامحه في قلب المدينة، فيما تظل الساكنة في انتظار معرفة ما الذي سيتغير، وما الذي سيبقى، وما الذي ستفتحه الحديقة في وجهها بعد انتهاء الأشغال.
ولا يتعلق الأمر هنا بحديقة عادية يمكن أن تمر إعادة تهيئتها كأي ورش عمراني آخر، فالحديقة تحمل في تفاصيلها جزءاً من ذاكرة الجديدة، وارتبط اسمها بأجيال متعاقبة من السكان الذين عاشوا فيها لحظات من طفولتهم وشبابهم وحياتهم اليومية. ولذلك فإن أي تدخل في هذا الفضاء لا يمكن اختزاله في تبليط وتجهيز وتشجير وإحداث مرافق جديدة، لأن المسألة تتجاوز الحجر والإسمنت إلى سؤال أعمق يتعلق بهوية المكان وموقعه في الذاكرة الجماعية.
المفارقة التي تستحق التوقف هي أن الأشغال تتحرك على الأرض بوتيرة واضحة، بينما تظل المعلومة المتاحة للرأي العام محدودة. فالكثير من سكان المدينة لا يملكون، إلى حدود اليوم، تصوراً واضحاً عن الشكل النهائي للحديقة، ولا يعرفون بدقة طبيعة المكونات الجديدة التي ستحتضنها، ولا حدود التغيير الذي سيطال فضاء ألفوه لعقود. وهنا بالضبط تبدأ الأسئلة التي لا يمكن إسكاتها بمجرد القول إن الورش قائم وإن الأشغال مستمرة.
ما الذي سيولد داخل هذه الحديقة؟ وما الذي سيغادرها؟ وهل يتعلق الأمر بإعادة تأهيل تحافظ على روح المكان، أم بإعادة تشكيل كاملة لفضاء يحمل قيمة تاريخية ورمزية؟ ثم ماذا عن العناصر التي ارتبطت بذاكرة الجديديين؟ هل جرى التعامل معها باعتبارها مجرد مكونات قابلة للتغيير، أم باعتبارها جزءاً من هوية المدينة ينبغي الحفاظ عليه واستحضاره في التصميم الجديد؟
وتكتسب هذه الأسئلة وجاهتها أكثر حين يتعلق الأمر بمشروع يفترض أن يلامس حياة المواطنين بشكل مباشر. فالتواصل مع الساكنة ليس ترفاً مؤسساتياً، ولا تفصيلاً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الأشغال، خصوصاً عندما يتعلق المشروع بفضاء عمومي مفتوح لجميع المواطنين، وتستعمله أجيال متعددة، ويحمل رمزية خاصة داخل النسيج الحضري للمدينة.
وكان من الممكن، في هذا السياق، أن تشكل لوحة تعريفية واضحة بالمشروع، أو تصميم بصري يوضح ملامحه المستقبلية، أو معطيات منشورة حول مراحله ومكوناته وآجاله، جسراً بسيطاً بين الورش والرأي العام. مثل هذه الخطوة كانت ستمنح المواطن فرصة لفهم ما يجري أمام عينيه، وستحول دون ترك المجال مفتوحاً أمام التأويلات والشائعات والتخمينات التي غالباً ما تزدهر عندما تغيب المعلومة الرسمية.
الجديديون لا يطلبون أن يتحولوا إلى مهندسين أو تقنيين لمراقبة تفاصيل الأشغال، ولا ينازعون الجهات المختصة اختصاصاتها. ما يطالبون به أبسط من ذلك بكثير: أن يعرفوا ماذا يُنجز في حديقتهم، ولماذا، وكيف ستكون صورتها عندما تعود أبوابها إلى الاستقبال.
والأهم من كل ذلك أن تكون إعادة التهيئة قادرة على تحقيق المعادلة الصعبة بين التجديد والحفاظ على الذاكرة. فالمدينة تحتاج إلى فضاءات عصرية تستجيب لحاجيات سكانها، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى حماية الأماكن التي تمنحها شخصيتها وتمنع تحولها إلى فضاءات متشابهة يمكن أن توجد في أي مدينة أخرى.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي في مشروع حديقة محمد الخامس لا ينبغي أن يكون محصوراً في حجم الأشغال أو عدد التجهيزات التي ستضاف، وإنما في قدرة المشروع على إعادة تقديم الحديقة بشكل يليق بحاضر الجديدة دون أن يمحو ماضيها. فالحداثة التي تقطع صلتها بالذاكرة قد تنتج فضاءً جديداً، لكنها لا تنتج بالضرورة مكاناً يحتفظ بروحه.
ومع استمرار الورش، يبقى السؤال مطروحاً أمام الجهات المشرفة: متى سيعرف المواطن الجديدي الصورة الكاملة للمشروع؟ ومتى سيُفتح النقاش حول ملامح الفضاء الذي سيعود إليه بعد انتهاء الأشغال؟ وهل سيتم تقديم تصور واضح يبدد مخاوف الساكنة ويكشف بشكل صريح حدود التغيير الذي تعرفه الحديقة؟
إن حديقة محمد الخامس ليست مجرد نقطة خضراء على خريطة الجديدة، وليست قطعة أرض تنتظر إعادة ترتيبها وفق منطق عمراني صرف. إنها ذاكرة مفتوحة لمدينة كاملة، وكل حجر فيها قد يحمل حكاية، وكل ممر فيها قد يستحضر وجهاً أو مرحلة أو زمناً مضى.
ولهذا، فإن نجاح الورش لن يُقاس فقط يوم تُرفع الأسوار وتُفتح الأبواب، وإنما سيُقاس أيضاً بما إذا كان الجديديون سيجدون أمامهم حديقة جديدة بروح المكان نفسه، أم سيقفون أمام فضاء جميل في شكله، غريب في ذاكرته.
وبينما تواصل الآليات عملها خلف الأسوار، تبقى المعلومة هي الحلقة التي ينتظرها الشارع الجديدي. فالمواطن لا يريد أن يكتشف حديقته بعد اكتمالها فقط، بل يريد أن يعرف منذ الآن أي حديقة يجري إعدادها له، وأي جزء من ذاكرة مدينته سيبقى حاضراً عندما ينتهي آخر يوم من أيام هذا الورش.
التعليقات