السمارة: تكرار العثور على جثث متحللة يثير القلق ويسائل التضامن الاجتماعي
هوسبريس-سيداتي بيدا
تنهش رائحة الموت الصامتة ما تبقى من دفء اجتماعي في أزقة السمارة، لتتحول خيوط الفاجعة المتكررة إلى مرآة عاكسة لعزلة الأحياء قبل صمت المؤسسات. لم يعد العثور على جثة متحللة بين أربعة جدران مجرد قصاصة خبرية عابرة تطويها الأيام، بل أضحى ظاهرة مؤرقة تصفع اليقظة المجتمعية وتطرح علامات استفهام حارقة حول مصير أجساد منسية واجهت سكرات الموت وحيدة، دون أن يلتفت لغيابها أحد.
وتستفيق زنقة تاونات بحي الحسني اليوم على وقع صدمة جديدة تختزل هذا المشهد المأساوي، حيث تكفلت الرائحة المنبعثة من وراء الأبواب المغلقة بلعب دور “جرس الإنذار” الأخير، معلنةً عن رحيل دراماتيكي لرجل مسن كان يصارع المرض في غياب أسرته المتواجدة خارج المدينة لقضاء العطلة الصيفية. لقد تحولت أيام الغياب إلى غرف إنعاش مهجورة، ولم يكسر جدار العزلة السميك سوى تحلل الجسد الذي أجبر الجيران على إخطار السلطات المحلية والأمنية.

وباشرت العناصر الأمنية والسلطات المحلية إجراءات المعاينة الدقيقة فور وصولها إلى مسرح الفاجعة، حيث نُقل جثمان الهالك إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي لإخضاعه للتشريح الطبي، تحت إشراف النيابة العامة المختصة التي فتحت تحقيقاً لكشف ملابسات الوفاة. لكن التشريح الحقيقي الذي تحتاجه المدينة اليوم ليس طبياً بالدرجة الأولى، بل هو تشريح لبنيتها الاجتماعية التي باتت تسجل بمرارة تكرار هذه السيناريوهات، حتى أطلق البعض على السمارة وسم “مدينة الجثث المنسية”.
وتفضح هذه الحوادث المتلاحقة فراغاً إنسانياً مرعباً يتجاوز حتمية الموت إلى فظاعة الغياب، إذ كيف يعقل أن يختفي إنسان عن الأنظار لأيام متواصلة دون أن يثير غيابه تساؤلاً أو تفكداً من محيطه القريب؟ إنها إدانة صامتة لآليات التضامن التقليدي ونداء استغاثة موجه إلى الأسرة والجيران، والمؤسسات الاجتماعية، والجماعات الترابية، ومنظمات المجتمع المدني، بضرورة خلق شبكات أمان حقيقية ومواكبة ميدانية للمسنين والمنعزلين، لئلا تتحول الوحدة إلى حكم بالإعدام البطيء.
ويخيم وجوم ثقيل على أزقة الحي بعد جلاء سيارة الإسعاف، مخلفاً وراءه حزناً جماعياً لا يكفي وحده لترميم الشروخ، فكل جثة تُكتشف متأخرة هي دليل قطعي على أن المجتمع يفقد جزءاً من مناعته الإنسانية ويقظته الروحية. وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية لتحديد الأسباب العلمية للوفاة، تظل الحقيقة الساطعة أن السمارة باتت مجبرة على مراجعة واقعها الاجتماعي، حتى لا تظل رائحة الموت هي اللغة الوحيدة التي تعيد التذكير بوجود الأحياء المنسيين خلف الأبواب الموصدة.
التعليقات