×

تامسنا: بلاغ غائب وصفحات تتكلم… من يقود الرأي العام في قطاع الصحة؟

تامسنا: بلاغ غائب وصفحات تتكلم… من يقود الرأي العام في قطاع الصحة؟

هوسبريس_خالد غوتي

في زمن السرعة الرقمية، لم يعد الخبر ينتظر قنواته الرسمية، بل صار يولد في الصفحات الفيسبوكية ويكبر فيها، أحيانًا بلا مصدر واضح، وأحيانًا بتفاصيل دقيقة تطرح أكثر من علامة استفهام. هذا بالضبط ما يكشفه الجدل الأخير حول تعيين مسؤولة على رأس مستشفى تامسنا، والذي لم ينطلق من بلاغ رسمي، بل من منشورات متداولة على صفحات فايسبوكية.
اللافت في هذه الواقعة ليس فقط مضمون الخبر، بل طريقة بنائه وتطوره. في منشور أول، تم تقديم المعنية بالأمر باعتبارها “قابلة” تولت إدارة مؤسسة صحية بحجم مستشفى، وهو طرح كفيل بإثارة نقاش مهني وقانوني حول معايير التعيين وحدود الاختصاص. غير أن الصفحة نفسها، أو على الأقل نفس المصدر، عادت لاحقًا لتقدم “توضيحًا” مغايرًا تمامًا، مؤكدة أن السيدة المديرة خريجة مدرسة وطنية للصحة العمومية، ومتخصصة في تسيير وتدبير المستشفيات، وحاصلة على شهادة الماستر، مع خبرة تمتد لسنوات طويلة في القطاع.
هذا التحول المفاجئ من تقديمها كـ“قابلة” إلى إبراز مسار أكاديمي وإداري متكامل، لا يمكن اعتباره مجرد تصحيح بسيط، بل يطرح سؤالًا جوهريًا:
من يمد هذه الصفحات بالمعلومة؟ وهل نحن أمام تسريبات رسمية غير مضبوطة، أم أمام توجيه للرأي العام عبر جرعات متناقضة من “المعطيات”؟
الأخطر من ذلك، أن هذا التناقض لا يقف عند حدود الوصف، بل يمتد إلى التأثير على النقاش العمومي. فحين يُقدَّم شخص في البداية بصفة قد تُفهم على أنها غير مؤهلة لإدارة مستشفى، ثم يُعاد تقديمه بصورة مغايرة تمامًا، فإن الرأي العام يجد نفسه بين روايتين: واحدة تثير الشك، وأخرى تحاول التبرير. وبينهما تضيع الحقيقة.
في عمق هذا الجدل، يبرز سؤال مهني حقيقي لا علاقة له بالأشخاص بقدر ما يرتبط بالمؤسسات:
هل يجب أن يكون مدير المستشفى طبيبًا بحكم الإلمام بالجوانب الطبية، أم أن الكفاءة الإدارية والتدبيرية كافية لتولي هذا المنصب؟
سؤال مشروع، لكنه يفقد قيمته حين يُطرح في بيئة مشوشة بالمعلومات غير الدقيقة أو المتضاربة.
كما أن مسألة تعيين “قابلة” – إن صح الوصف الأول – على رأس مؤسسة استشفائية، تفتح نقاشًا حول معايير الانتقاء: هل يتعلق الأمر بندرة في الأطر الطبية المؤهلة إداريًا؟ أم باختيار مقصود لتغليب الكفاءة التدبيرية على التخصص الطبي؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سوء تقديم للمعلومة منذ البداية؟
وفي غياب توضيح رسمي دقيق، تظل كل هذه الفرضيات قائمة، ويظل الفضاء الرقمي مفتوحًا أمام التأويلات. لكن المؤكد، أن ترك معطيات حساسة كهذه تتداول بشكل متناقض، يضرب في العمق مبدأ الثقة، سواء في المؤسسات الصحية أو في القنوات التي تنقل أخبارها.
إن ما حدث ليس مجرد “خبر فيسبوكي”، بل نموذج لطريقة صناعة الرأي العام في غياب المعلومة المؤطرة. صفحات تنشر، ثم تعدل، ثم تبرر… وجمهور يتابع، يتفاعل، ويكوّن مواقفه بناء على معطيات قد تكون ناقصة أو موجهة.
وفي انتظار كلمة الفصل من الجهات الرسمية، يبقى السؤال معلقًا:
من يكتب الخبر أولًا… ومن يعيد كتابته على مقاس ردود الفعل؟

اترك تعليقاً

You May Have Missed