إدريس بوحاجة: الدبلوماسية الثقافية رافعة لتعزيز العلاقات المغربية الفرنسية وخدمة الجالية
حاوره رشيد الياقوتي
في ظل التحولات التي تعرفها قضايا الهجرة والعلاقات المغربية الفرنسية، تبرز الدبلوماسية الثقافية باعتبارها إحدى الآليات المهمة لتعزيز التقارب بين الشعوب، والتعريف بالمؤهلات الحضارية والثقافية للمملكة المغربية، فضلاً عن تقوية ارتباط مغاربة العالم بوطنهم الأم.
وفي هذا السياق، أجرى رشيد الياقوتي حواراً مع إدريس بوحاجة، الفاعل الجمعوي المقيم بفرنسا منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ورئيس جمعية الصداقة الفرنسية المغربية، للحديث عن مساره الثقافي والجمعوي، وأدوار المجتمع المدني في خدمة الجالية المغربية، ومساهمته في التعريف بالقضايا الوطنية والدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة من خلال العمل الثقافي والحوار المؤسساتي.
كما تطرق الحوار إلى أهمية التنسيق مع التمثيليات الدبلوماسية والقنصلية المغربية بفرنسا، وتقييمه لجهود القنصل العام للمملكة بمونبوليي، السيدة لمياء بناني، في التواصل مع أفراد الجالية، فضلاً عن المشاريع الثقافية والفنية المرتقب إطلاقها خلال المرحلة المقبلة.

سؤال: بداية، من هو إدريس بوحاجة؟ وكيف يمكن التعريف بأبرز محطات مساره الشخصي والثقافي والجمعوي بفرنسا؟
إدريس بوحاجة: أنا ابن مدينة سطات، وأقيم بفرنسا منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وقد أتاح لي هذا المسار الطويل فرصة معايشة التحولات التي عرفتها الهجرة المغربية، والاقتراب من انشغالات أفراد الجالية وتطلعاتهم، فضلاً عن التعرف على طبيعة الروابط الإنسانية والثقافية التي تجمع المغرب بفرنسا.
وعلى امتداد هذه السنوات، انخرطت في العمل الثقافي والجمعوي، واهتممت بقضايا الهجرة والمغاربة المقيمين بالخارج، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الجالية المغربية ليست مجرد مكون من مكونات المجتمع الفرنسي، بل تمثل رصيداً بشرياً وثقافياً وحضارياً مهماً، وقوة قادرة على الإسهام في تعزيز جسور التواصل بين البلدين.
ومن خلال مسؤوليتي على رأس جمعية الصداقة الفرنسية المغربية، أعمل إلى جانب باقي الفاعلين على توظيف الثقافة والحوار والتبادل الإنساني في خدمة علاقات الصداقة والتفاهم بين الشعبين المغربي والفرنسي، والتعريف بما تزخر به المملكة من تاريخ عريق وتنوع حضاري وثقافي.
سؤال: ما طبيعة الدور الذي تضطلع به جمعية الصداقة الفرنسية المغربية في تعزيز العلاقات بين البلدين؟
إدريس بوحاجة: تنطلق الجمعية من إيمان راسخ بأن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط على الاتفاقيات السياسية والمبادلات الاقتصادية، وإنما تتعزز أيضاً من خلال التقارب بين الشعوب، والتواصل بين المثقفين والفنانين والفاعلين الجمعويين، وإطلاق مبادرات تساهم في ترسيخ المعرفة المتبادلة وتجاوز الصور النمطية.
ونحن نعتبر الثقافة لغة مشتركة قادرة على بناء جسور الثقة والتفاهم. لذلك نحرص على تنظيم لقاءات ومبادرات ثقافية وفنية تتيح للجمهور الفرنسي اكتشاف غنى الثقافة المغربية وتعدد روافدها، كما تمنح المغاربة المقيمين بفرنسا فرصة التعبير عن ارتباطهم بوطنهم الأم، مع تعزيز اندماجهم الإيجابي في المجتمع الذي يعيشون فيه.
كما نطمح إلى توسيع مجالات التعاون مع المؤسسات والجمعيات الثقافية في البلدين، وإشراك الشباب والكفاءات المغربية المقيمة بفرنسا في مشاريع مستدامة، تجعل من الصداقة المغربية الفرنسية ممارسة يومية قائمة على التواصل والعمل المشترك، وليس مجرد شعار يرتبط بالمناسبات.
سؤال: بحكم اهتمامكم بقضايا الهجرة، ما أبرز الملفات التي تستأثر باهتمامكم في ما يتعلق بأوضاع المغاربة المقيمين بفرنسا؟
إدريس بوحاجة: الهجرة قضية إنسانية واجتماعية وثقافية متعددة الأبعاد، ولا يمكن اختزالها في الأرقام أو الجوانب الإدارية وحدها. فالمغاربة المقيمون بفرنسا يحملون معهم ذاكرتهم الوطنية ولغتهم وثقافتهم وروابطهم الأسرية، وفي الوقت نفسه يساهمون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع الفرنسي.
ومن هذا المنطلق، أعتبر أن من مسؤولية الفاعل الجمعوي أن يكون قريباً من انشغالات أفراد الجالية، وأن يساهم في الإنصات إلى قضاياهم والتعريف بحقوقهم واحتياجاتهم، وتشجيع مشاركتهم في المبادرات الثقافية والاجتماعية.
كما أن الحفاظ على الروابط مع المغرب يظل مسألة أساسية، خصوصاً بالنسبة إلى الأجيال الجديدة التي تحتاج إلى فضاءات تمكنها من التعرف على تاريخ بلدها الأصلي وتراثه وقيمه. وهنا تبرز أهمية الأنشطة الثقافية والفنية واللقاءات الفكرية في نقل الذاكرة الوطنية إلى الأجيال الصاعدة، والحفاظ على الهوية المغربية بصورة حية ومتجددة.
سؤال: كيف توظفون الدبلوماسية الثقافية في التعريف بالمملكة والدفاع عن وحدتها الترابية؟
إدريس بوحاجة: أعتبر أن الدبلوماسية الثقافية تشكل مجالاً مهماً للتعريف بالمغرب والدفاع عن مصالحه الوطنية، لأنها تقوم على الحوار وتبادل المعرفة وتقديم المعطيات والحقائق، بعيداً عن التشنج والخطاب الانفعالي.
إن الدفاع عن صورة المملكة يقتضي التعريف بتاريخها ومؤسساتها وتنوعها الثقافي ومكانتها الإقليمية والدولية، فضلاً عن الأوراش التنموية والمشاريع التي تعرفها مختلف جهاتها.
أما قضية الوحدة الترابية، فهي مسؤولية وطنية تستدعي وضوح الموقف والتمسك بالثوابت الوطنية، والعمل على إيصال الموقف المغربي إلى مختلف الأوساط التي نتواصل معها.
ونحن، بصفتنا فاعلين ثقافيين وجمعويين، نستطيع المساهمة في هذا الجهد من خلال تنظيم الندوات واللقاءات الفكرية، وبناء علاقات التواصل مع شخصيات ومؤسسات فرنسية وأوروبية، بما يتيح التعريف بالقضية الوطنية في إطار من الحوار المسؤول.
وأؤمن بأن قوة الدبلوماسية الثقافية تكمن في قدرتها على الجمع بين الاعتزاز بالانتماء الوطني واحترام الآخر، وبين الدفاع عن الثوابت المغربية والانفتاح على النقاش البناء.
سؤال: إلى أي حد تشكل الثوابت الوطنية المغربية مرجعية أساسية في عملكم الثقافي والجمعوي؟
إدريس بوحاجة: الثوابت الوطنية تشكل مرجعية أساسية في رؤيتي للعمل الثقافي والجمعوي، وفي مقدمتها الوحدة الترابية للمملكة والمؤسسة الملكية والهوية المغربية المتعددة الروافد، بما تتضمنه من مكونات عربية إسلامية وأمازيغية وصحراوية حسانية، وروافد عبرية وأندلسية وإفريقية ومتوسطية.
إن قوة المغرب تكمن في قدرته على صون وحدته الوطنية واحتضان تنوعه الثقافي والحضاري في الوقت نفسه. وهذه الخصوصية تستحق أن تكون حاضرة في مختلف المبادرات الموجهة إلى الأوساط الفرنسية والأوروبية، باعتبارها تعكس تجربة تاريخية قائمة على التفاعل بين الثقافات والتعايش.
ومن هذا المنطلق، نحرص على أن تعكس أنشطتنا صورة المغرب المنفتح، المتشبث بثوابته، والمعتز بتاريخه، والواثق في قدرته على بناء علاقات متوازنة مع محيطه الأوروبي والإفريقي والدولي.
سؤال: ما أهمية التنسيق مع التمثيليات الدبلوماسية والقنصلية المغربية بفرنسا في إنجاح المبادرات الموجهة إلى الجالية؟
إدريس بوحاجة: يشكل التنسيق مع التمثيليات الدبلوماسية والقنصلية المغربية عنصراً أساسياً في إنجاح المبادرات التي تستهدف خدمة الجالية وتعزيز الحضور الثقافي للمملكة بفرنسا.
فهذه المؤسسات تضطلع بأدوار مهمة في مواكبة أوضاع المواطنين المغاربة بالخارج، وحماية مصالحهم، وتيسير ارتباطهم بوطنهم الأم، إلى جانب مهامها في التعريف بالمغرب وتعزيز التعاون الثنائي.
ومن موقعنا الجمعوي، نؤمن بأن التكامل بين المؤسسات الرسمية ومكونات المجتمع المدني يتيح الاستجابة بصورة أفضل لانتظارات الجالية، كما يفتح المجال أمام تنظيم مشاريع ثقافية وفنية مشتركة، تستفيد من خبرة الفاعلين المحليين وشبكات علاقاتهم.
ونحن حريصون على أن يكون هذا التعاون عملياً ومثمراً، قائماً على التشاور وتبادل المقترحات، بما يخدم أفراد الجالية ويعزز علاقات الصداقة بين المغرب وفرنسا.
سؤال: كيف تقيمون جهود السيدة لمياء بناني، القنصل العام للمملكة المغربية بمونبوليي، في مجال التواصل مع أفراد الجالية المغربية؟
إدريس بوحاجة: أود أن أعبر عن تقديري للجهود التي تبذلها السيدة لمياء بناني في التواصل مع أفراد الجالية المغربية المقيمة بمونبوليي ومختلف المناطق التابعة للدائرة القنصلية.
فالتواصل المباشر مع المواطنين والإنصات إلى انشغالاتهم يشكلان ركيزة أساسية في العمل القنصلي، بالنظر إلى تعدد الحاجيات الإدارية والإنسانية والاجتماعية التي قد تواجه المغاربة المقيمين بالخارج.
إن المواطن المغربي يحتاج إلى مؤسسة قنصلية قريبة منه، تتفهم أوضاعه وتواكب احتياجاته، وتيسر له سبل التواصل مع الإدارة المغربية، في حدود الاختصاصات والإمكانات المتاحة.
كما أن تعزيز جسور التواصل بين القنصلية ومكونات الجالية يساهم في تقوية الثقة وتشجيع المشاركة في المبادرات الوطنية والثقافية. ومن هذا المنطلق، نثمن كل جهد يرمي إلى جعل العمل القنصلي أكثر قرباً من المواطنين، وإلى توسيع مجالات التعاون مع الفاعلين الجمعويين والثقافيين خدمة للمصلحة العامة.
سؤال: هل تستعدون لإطلاق مشاريع ثقافية وفنية جديدة بتنسيق مع القنصلية العامة للمملكة المغربية بمونبوليي؟
إدريس بوحاجة: بالفعل، هناك مجموعة من الأفكار والمشاريع الثقافية والفنية التي نطمح إلى بلورتها خلال المرحلة المقبلة، بشراكة وتنسيق مع السيدة القنصل العام، وفق ما ستتيحه المشاورات والإمكانات المتاحة.
ونتطلع إلى إطلاق مبادرات تبرز غنى الثقافة المغربية وتنوعها، من خلال تنظيم لقاءات أدبية وفكرية، وأنشطة فنية، وندوات حول الهوية المغربية والهجرة والعيش المشترك، إلى جانب مشاريع تتيح للفنانين والمثقفين المغاربة والفرنسيين فرصاً للتلاقي وتبادل الخبرات.
كما نولي أهمية خاصة لإشراك الشباب والأجيال الجديدة من أبناء الجالية المغربية، حتى يظل ارتباطهم بثقافة بلدهم الأصلي حياً ومتجدداً، وفي الوقت نفسه تتعزز مساهمتهم في الحياة الثقافية الفرنسية.
وأؤكد أن هذه المشاريع لا تزال في إطار التصور والتنسيق، وأن نجاحها يتطلب تضافر جهود مختلف الشركاء، من مؤسسات رسمية وجمعيات وفاعلين ثقافيين وفنانين. وغايتنا هي الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى عمل ثقافي منظم ومستمر، يترك أثراً إيجابياً لدى الجالية المغربية والمجتمع الفرنسي عموماً.
سؤال: ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى أفراد الجالية المغربية بفرنسا، وإلى أصدقائهم الفرنسيين؟
إدريس بوحاجة: رسالتي إلى أفراد الجالية المغربية هي أن يظلوا أوفياء لوطنهم، معتزين بهويتهم وثقافتهم، ومساهمين في الوقت نفسه في تنمية المجتمع الذي يعيشون فيه. فالمغربي المقيم بفرنسا يستطيع أن يشكل جسراً للتواصل والتفاهم بين البلدين، وأن يقدم صورة إيجابية عن وطنه من خلال سلوكه وعمله ومشاركته الثقافية والمدنية.
أما إلى أصدقائنا الفرنسيين، فأؤكد أن المغرب وفرنسا تجمعهما علاقات تاريخية وإنسانية وثقافية عميقة، وأن مستقبل هذه العلاقات يتطلب مزيداً من الحوار والتعاون والاحترام المتبادل، مع الاستثمار في الثقافة والتعليم والفنون والتبادل بين الأجيال.
وفي الختام، أجدد عبارات الولاء والوفاء لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، متمنياً لجلالته موفور الصحة والعافية، وأن يحفظه الله والأسرة الملكية الشريفة.
وأؤكد أن الصداقة بين الشعوب لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالمبادرات الملموسة، والإصغاء المتبادل، والإيمان بأن الاختلاف الثقافي مصدر للغنى والتكامل. وهذا هو الرهان الذي نعمل من أجله داخل جمعية الصداقة الفرنسية المغربية.
التعليقات